ستائرنا: جراح أنثى أم ذاكرة وطن؟
قراءة نقدية في رواية "ستائرنا" للكاتبة حياة قاصدي
أ.كرم الصباغ
4/30/20251 min read


ستائرنا: جراح أنثى أم ذاكرة وطن؟!
قراءة نقدية في رواية "ستائرنا" للكاتبة حياة قاصدي
أ. كرم الصباغ
استهلال
دعنا نتجاوز ما أثير حول الأدب النسوي من جدل وجدال؛ خشية أن نقع أسرى تشعب التعريفات وتعارض المصطلحات. فأنا لست مفتونا بالقولبة على أية حال، بل إنني أضيق ذرعا بما افتتن به قطاع عريض من النقاد الذين يقدسون النظريات ويضعونها أمام النص وفوقه كأنها الجاثوم. ولا يؤمنون بأن النظرية، مهما علا شأنها، ما هي إلا أداة —كمشرط الجراح— تعين الناقد ذا البصيرة على إضاءة النص والتغلغل من الداخل بين طياته لإنتاج نص مواز ينتصر لاتجاه يرى النقد إبداعا موازيا يتكئ على بصيرة وذائقة تدعمها الدراسة المنهجية وتمدها بالنظريات والمناهج التي تمثل أدوات معينة، لا أصناما وأوثانا يتقرب إليها السدنة بالقرابين، ويضفون عليها هالات التقديس، ولا يتورعون عن لي أعناق النصوص انتصارا لنظرية بعينها. فنراهم يحملون النص ما لا يحتمل، ويخرجون به عن سياقاته الممكنة، فيقدمون في النهاية دراسات مشوهة ابتعدت أيما ابتعاد عن روح النص ومراد الكاتب.
وفي هذا السياق، أكاد أزعم أنني من أنصار مقولة القائل: "إننا لا نضع القواعد إلا لنكسرها". فالإبداع، من وجهة نظري، نقيض القوالب والأطر الجاهزة. أقول هذا رغم اقتناعي بضرورة توفر الحد الأدنى من شروط الجنس الأدبي في النص المكتوب، ضمانا لتفادي حدوث الفوضى والسيولة التي لا تحمد عقباها. هذا من زاوية.
ومن زاوية أخرى، الأدب يسمى أدبا متى حاز النص شروط الجودة، سواء كتبه رجل أو امرأة. فالجنس بمفهومه البيولوجي لن يشفع للكاتب متى اتسم بالرداءة، ولن تغنيه هيمنة الذكور ورؤاهم على مجتمعاتنا الشرقية. وفي الآن ذاته، لن تسعف النص نداءات التحرر والمساواة التي ناصرت المرأة ودعت إلى أن تتبوأ المكانة التي تليق بها كعضو عامل في المجتمع، حري بها أن تقاسم الرجل قصبة الشراكة. كل ذلك لن يغني عن الكاتب/ة شيئا ما دام النص رديئا لا يستطيع أن يحاجج عن نفسه أمام أقلام النقاد وذوائق القراء.
بين أيدينا رواية "ستائرنا"، رواية تنتصر لذات المرأة وكرامتها، وتصور جراح وعذابات الأنثى التي خانها شريك العمر. رواية تتمرد على المجتمع الذكوري وترفع صرختها في وجه زيفه وريائه.
فهل نجحت الكاتبة في مهمتها أم ضلت غايتها؟ وهل ولدت عناصر النجاح أو عناصر الفشل من رحم الرواية ومن داخلها، دون النظر إلى أية عوامل خارجية اتفقنا سلفا على أنها عناصر ثانوية لا تغني ولا تسمن من جوع؟!
العنوان
يولي أنصار علم العتبات، وعلى رأسهم جيرار جينت، العنوان أهمية كبيرة، ويرون أنه نص كامل يختزل داخله الدلالات الكبرى التي يعين فك شفراتها على الولوج إلى العمارة النصية للرواية. كما يرون أن العنوان يعد المحفز الأول على الولوج إلى تلك العمارة النصية بما يثيره من تساؤلات.
فهل نجح عنوان روايتنا في أداء وظائفه كعتبة رئيسة من العتبات النصية؟
"ستائرنا"... جاء العنوان معرفا بالإضافة إلى ضمير المتكلمين (نا).
ما تلك الستائر التي تقصدها الكاتبة؟ وماذا تحمل الإضافة من دلالة؟
في قراءة محتملة، تحمل "ستائر" معنى الحجب. فلا يخفى على متأمل ما بين الستائر والنوافذ من مراعاة نظير، قد يتحول من الارتباط إلى التضاد. فالنوافذ تقود إلى الهواء والضياء وإمكانية مشاهدة المرئيات والمحسوسات، بينما يرتبط إسدال الستائر بحجب الهواء والضياء وحجب الرؤية، الأمر الذي يقود إلى معنى التعمية.
وإذا تأملنا دلالة إضافة "ستائر" إلى ضمير المتكلمين (نا)، فقد تقودنا الإضافة إلى معنى جمعي. في قراءة محتملة، قد يشير إلى المجتمع ككل. فهل تقصد الكاتبة أننا أمام ستائر المجتمع ككل؟ وهنا يتبادر السؤال: أي المجتمعات تقصد؟ هل تقصد مجتمعا بعينه؟ وما المشاهدات والقضايا والمعاني التي تناهض الكاتبة ضمنا حجبها عن أنظارنا؟ ومن القوى الفاعلة التي حجبتها عنا؟
أعتقد أن تلك التساؤلات قد تتبادر إلى أذهان القراء، مما يحفزهم على الولوج إلى العمارة النصية وقراءة فصول الرواية لمحاولة الإجابة عنها، الأمر الذي يقودنا إلى نتيجة مفادها: نجاح الكاتبة في صياغة عنوان روايتها، ونجاح العنوان في أداء وظائفه.
"ستائرنا" وحكاية العالم الداخلي
ينقسم تاريخ الرواية النفسية إلى قسمين: قسم ما قبل ظهور مدرسة التحليل النفسي على يد فرويد وتلاميذه، وقسم ما بعدها.
فالقسم الأول، كما نجده عند دوستويفسكي، اعتمد على موهبة الروائي في تحليل النفس البشرية والوصول إلى أسرارها من خلال تأملات وخبرات الكاتب الشخصية.
أما القسم الثاني، فقد وظف فيه الكتاب ما أنتجته مدرسة التحليل النفسي في كتابة رواياتهم. وهؤلاء انقسموا بدورهم إلى قسمين: قسم اتصف بالموهبة الفذة، من أمثال جيمس جويس وفولكنر وكافكا وغيرهم، فجاءت رواياتهم بديعة لم يطغ فيها العلم على الأدب. أما القسم الثاني، فقد افتقد الموهبة، فجاءت رواياتهم مملة رتيبة خالية من الروح والإبداع.
ويعرف السرد النفسي، وفق محمد القاضي في معجم السرديات، بأنه: "خطاب الراوي عن الحياة الداخلية لشخصية ما، وتمثيل هذه الحياة في القص".
وقد ابتكر الروائيون أساليب جديدة أتاحت للشخصية المساحة الكافية للتعبير عن حياتها الداخلية التي تولي المشاعر والأحاسيس والصراعات الداخلية الاهتمام الذي يوازي الاهتمام بالأحداث الخارجية في السرد التقليدي. ومن ثم ابتكر هؤلاء الروائيون أنماطا وتقنيات جديدة تمكن الشخصية من التعبير عن عالمها الداخلي، ومن تلك الأساليب: المونولوج المباشر وغير المباشر، ومناجاة الذات، والأحلام، وأحلام اليقظة، والهذيان، والهيستيريا، وغيرها.
وبالعودة إلى رواية "ستائرنا" للكاتبة حياة قاصدي، نجد أنها رواية نفسية بامتياز، اعتمدت فيها الكاتبة على تصوير الحياة الداخلية للبطلة الرئيسية ليلى من خلال السرد النفسي الذي احتفى برصد مشاعر ليلى وتصوير صراعها الداخلي قبل وبعد اكتشاف الخيانة الزوجية لشريك عمرها رفيق. وقد جاء هذا السرد الداخلي النفسي على حساب الأحداث الخارجية التي مثلت النزر اليسير من الرواية.
ومن أنماط السرد النفسي التي اعتمدت عليها الكاتبة ما يلي:
أ. المونولوج الداخلي المباشر
يعد المونولوج الداخلي المباشر أحد أنماط المونولوج التي وظفت للكشف عن العالم الداخلي للشخصية، واهتمت بإظهار العلاقة بين الشخصية وما يكمن بداخلها من أفكار ومشاعر وأزمات، ثم صياغتها بشكل مباشر دون الاعتماد على الراوي الخارجي العليم.
ويعرف المونولوج الداخلي المباشر بأنه: "العرض المستقل الذي لا يتدخل فيه وسيط لنقل أفكار الشخصية وانطباعاتها وتصوراتها. إنه نوع من الفكر المباشر المرسل والطليق للشخصية" (جيرالد برنس، المصطلح السردي، معجم المصطلحات، ترجمة عابد خازندار، مراجعة محمد بربري، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة 2003، ص 115).
ويعرف أيضا بأنه: "تقنية خطابية تعرض بطريقة مباشرة الصوت الداخلي للشخصية" (عبد العزيز ضويو، التجريب في الرواية المعاصرة، عالم الكتب الحديث، إربد الأردن، 2014، ص 75).
و"هذا الصوت الداخلي يفصح عن خفايا النفس وعالمها الداخلي من خلال حوار الشخصية مع ذاتها بشكل مباشر ودون أية وساطة من قبل الراوي الخارجي العليم" (جيرالد برنس، قاموس السرديات، ترجمة السيد إمام، ط1، ميريت للنشر والتوزيع، القاهرة 2003، ص 52).
ومن الجدير بالذكر أن قدرة الشخصية على الإفصاح والإعلان عن عالمها الداخلي بنفسها يمكنها من صياغة حوارها النفسي الداخلي بأسلوب لفظي مباشر، لكنه يخالف الترتيب والتسلسل الزمني في الأحداث؛ لأنه ينبع من عالم الشخصية الداخلي الذي يملك ترتيبه الخاص.
ومن ذلك النمط، اخترت تلك المقاطع من رواية "ستائرنا" حيث تقول الكاتبة على لسان ليلى: "تتصارع أوجاعي وتلتقي بجرح العمر الذي مضى كلمح البصر، مر هباء وسط الإهمال والاحتقار لكل ما هو أنثوي".
وتقول أيضا: "لقد زرت كل عواصم الجراح، وكم أتعبني ثقل جراح هرمت بداخلي! ورغم الثقل، أقف عند جميع المحطات، وفي كل لحظة أحاول أن أضع الجرح جانبا؛ لأتغلب على الألم. أسافر وحزني معي يتأرجح بين أوجاعه المتكررة في قلب الفوضى الآدمية. أجد عربتي التي ستأخذني وثقلي إلى زاوية أدفن فيها آلام روحي".
ب. المونولوج الداخلي غير المباشر
عمدت رواية "ستائرنا" إلى توظيف المونولوج الداخلي غير المباشر، الذي لا تفصح فيه الشخصية عما بداخلها بنفسها، وإنما تلجأ إلى الراوي العليم لينقل معاناتها وما يدور بداخلها من أفكار. وإذا كان المونولوج المباشر يأتي بصيغة المتكلم، فإن المونولوج غير المباشر يأتي بصيغة الغائب أو المخاطب. ويعرف بأنه: "نمط من المونولوج يصاغ بضمير الغائب أو المخاطب من راو ينقل المادة الذهنية التي تنبع من ذهن شخصية ما ووعيها؛ لذا يترتب على هذا النوع من المونولوج استخدام الطرق الوصفية والتفسيرية على نحو واسع" (جيرالد برنس، المصطلح السردي، مرجع سابق).
وقد لجأت راوية "ستائرنا" إلى توظيف المونولوج غير المباشر بواسطة راو يتكلم بصيغة الغائب والمخاطب لتولي الولوج إلى العالم الداخلي لشخصية ليلى والكشف عن معاناتها، فنجدها تقول: "لم يبق طعم لحياتها التي صارت حراكا أوتوماتيكيا يدور في العدم. هل يعقل أن تعيش من تملك عرشا من الأنوثة بداخلها بعيدا عن عرشها؟! فبدل أن تكون الأميرة في وطن يمتلك كل خيراته، حرمها القدر حتى من أن تكون مجرد جارية. الحلم في زمن ليلى يعتبر لعبة كرتونية سهلة التقطع والانكماش".
وتقول أيضا: "ترددت كثيرا قبل أن تحرر شفتيها من قبضة الخوف. كان رأسها المتعب من برودة الوسادة يتشوق للتسلل نحو صدره... ولم لا؟! أليست زوجته؟! لا تخافي منه، هيا ليلى؛ ربما سيرحب بأنثاه".
وتقول أيضا: "آه منك يا ليلى، كيف لم تنتبهي يوما أن من نزع عنك صفة الأنثى قد تمادى في احتقارك؟! كيف لم تدركي أن من لا تعجبه ابتسامتك هو نفسه من ألغى وجودك من قلبه، وقذف بك خارج أسواره؟!".
تقنية الاسترجاع
من تقنيات السرد النفسي التي عمدت إليها الكاتبة في رواية "ستائرنا" تقنية الاسترجاع (الفلاش باك)، وتعرف بأنها: "تلك المفارقة الزمنية التي تعيدنا للماضي بالنسبة للحظة الراهنة" (جيرالد برنس، المصطلح السردي، مرجع سابق).
وتتجلى تلك التقنية مع المونولوج المباشر، حيث تحاول ليلى من خلال السرد النفسي أن تسترجع الأحداث لتعبر عن استمرار المعاناة دون توقف، مما يفصح عن قدرة المونولوج الداخلي في تجسيد المعاناة الداخلية للشخصية وربط حاضرها بماضيها. فنجدها تقول: "تعرفت على رفيق وظنت أنه أحبها وتعلق بها... صدقت وعوده لها. كان رفيق شابا في الثلاثين من العمر، ورغم أنه من عائلة فقيرة إلا أن هذا لم يجعلها تتردد في قرار ارتباطها به". (ملاحظة: كان أصوب أن تقول الكاتبة: "ورغم أنه من عائلة فقيرة، فإن ذلك لم يجعلها تتردد في ارتباطها به".)
وتقول أيضا: "وأمام أسوار الجامعة، كشر الحنين عن أنيابه. لم تتحمل مشاعري فقدان ذلك الزمن الجميل... بعد ثلاثين عاما، لأول مرة اكتشف أن هناك قطعا من الروح تبعثرت للأبد. داخل هذا الحرم تغوص ذكرياتي وصباي وجزء مني راح ولن يعود... ما زلت أتذكر حدة نظرات عينيه الغارقة في المجهول، كانت تأخذني إلى عالم الغوص".
اللغة
جاءت لغة الرواية لغة استعارية تزدهي بالصور المبتكرة من تشبيهات واستعارات، اعتمدت على الإزاحة وكسر نمطية العلاقات بين المفردات والتراكيب، وإنتاج علاقات جديدة كسرت المألوف وحققت المتعة والدهشة في غير موضع، وخففت بعض الشيء من رتابة السرد النفسي الذي يتسم إيقاعه بالبطء، مما يصيب القارئ بشيء من الملل نظرا لغياب التشويق الناتج عن الانحناءات المفاجئة التي عادة ما تصاحب السرد الخارجي والتي تنبني على كسر توقع القارئ —الأمر الذي لا نجده إلا في القليل النادر من الروايات النفسية التي تفسح المجال أمام التداعي الحر والانفعالات والصراعات الداخلية. وأمام ذلك المأزق، يجد الكاتب نفسه مضطرا إلى تعويض القارئ بشيء آخر حتى لا تتمزق الرابطة بين القارئ والنص. ولا شيء يستطيع السرد النفسي أن يقدمه للقارئ سوى اللغة المدهشة التي ترتقي إلى لغة الشعر.
ومن ذلك نجد الكاتبة تقول: "سأسلبك حبيبي ألوان الشمس، سأزينك بأحمر شفاه بلون الورد، وستتبعثر في حضني متساقطا كحبيبات الرمان، وسنتعانق أنا وأنت؛ ليشهد علينا لون البدر أننا نضع معا أرقى الكلمات. وأنا أركض باحثة عنك".
"ستائرنا": جراح أنثى أم ذاكرة وطن؟!
رغم احتفاء الرواية بالسرد الداخلي على حساب السرد الخارجي، فقد مزجت الكاتبة —في المواضع القليلة التي عمدت فيها إلى العالم الخارجي— بين هموم ذاتها المهترئة المأزومة وبين وطنها الصغير (مدينة القصبة) أو وطنها الكبير (الجزائر). فأحالتنا إلى تاريخ القصبة وعلاقتها باستقبال هجرات الأندلسيين بعد سقوط غرناطة. بل إنها أشارت إلى أن أصل ليلى يعود إلى الأندلس الجريحة التي يمثل سقوطها نكبة حضارية وندبة في قلب كل عربي وعربية.
فتحت الباب على مصراعيه لتراجع العرب وانحدارهم وضعفهم، وصولا إلى عصرنا الراهن الذي يمثل فترة تراجع وضعف لكل ما هو عربي.
ونجد أن الكاتبة قد ربطت أيضا بين ذاتها وبين عشرية الجزائر السوداء وما عانته الجزائر على أيدي أصحاب الأفكار الظلامية.
ونجدها في موضع ثالث قد ربطت بين صحوة الجزائر وحراكها السلمي الحديث الذي هب فيه الشعب الجزائري مطالبا بجزائر جديدة تسعى للتخلص من الفاسدين، وتدعو إلى الديمقراطية والعدالة —ذلك الحراك الذي باركه الجيش الجزائري بقيادة القائد صالح، والذي شاركت فيه ليلى ولدها وبنتها، بل وزوجها رفيق الذي شككت في صدق وطنيته لأنه خان أنثاه. فهي، في ربط ذكي، ربطت بين حب الأنثى وحب الوطن؛ فكلاهما وجه لعملة واحدة.
"ستائرنا": صرخة في وجه رياء المجتمع الذكوري
انتصرت الكاتبة حياة قاصدي في روايتها للمرأة المقهورة التي هضمت حقوقها، والتي تعامل معها المجتمع على أنها سقط متاع أو قطعة ديكور تكمل أثاث المنزل. فالمرأة التي تعد صمام الأمان في المجتمعات العربية، والتي لولاها لانهارت المجتمعات من جراء عبث الذكور وريائهم، تستحق التقدير والتكريم، وتستحق أن ينظر إلى كرامتها ومشاعرها بعين الاعتبار.
فالمجتمع الذي يبرر للرجل الخيانة ويغض الطرف عن أنانيته وازدواجية معاييره، بل وريائه وتناقض أقواله مع أفعاله وظاهره مع باطنه حينما يدعي الفضيلة في الظاهر ويمارس الخطيئة في الخفاء، نجد هذا المجتمع لا يتسامح مع المرأة، بل يسلبها حقوقها ويفرض عليها الطاعة العمياء تحت دعاوى شتى، أولها وجوب الحفاظ على الأسرة.
أنا بالتأكيد لا أدعو إلى إعطاء المرأة الحق في ممارسة حظها من الخطأ والخطيئة، بل أدعو إلى العدالة في الحكم على كلا الطرفين بغض النظر عن جنس المخطئ: رجلا كان أم امرأة.
وربما عمدت حياة قاصدي إلى أن تستفز ذلك المجتمع الذكوري بأن جعلت ليلى تبحث عن حبها القديم الضائع بعد أن اكتشفت خيانة زوجها.
ورغم ما شاب الحبكة من ضعف في غير موضع، فقد جاءت الرسالة قاسية، تعمدت استفزاز المجتمع الذكوري لعله يستيقظ من غفلته ويكف عن صلفه.
إن رسالة الكاتبة قد جاءت —من وجهة نظري— على شكل صرخة في وجه رياء هذا المجتمع، الذي لن يتردد في الامتعاض والغلبان وإعلان الغضب ووصم ليلى بالزلل والوقوع في براثن الخطأ؛ إذ راسلت رجلا آخر وهي لا تزال في عصمة زوجها رفيق.
لسنا هنا بصدد إصدار حكم قيمي على ليلى والحكم على صحة أو خطأ تصرفها، بل نحن بصدد رصد ردود أفعال أفراد مجتمعاتنا العربية إزاء تصرف ليلى. فمن المفارقة —حسب توقعي— أن جل أفراد مجتمعاتنا العربية سوف يتناسون خطايا رفيق وخياناته وغلظته وجحوده وأنانيته، لا لشيء سوى أنه رجل من حقه أن يخطئ وأن يتدارك أخطاءه، بينما لن يتسامح هؤلاء مع ليلى؛ فهي أنثى ليس من حقها سوى الرضوخ لقوانين المجتمع الصارمة، وليس من حقها سوى احترام قدسية العلاقة الزوجية حتى لو كان زوجها خائنا. الأمر الذي يعكس ازدواجية واضحة في المعايير، تنفي تحلي المجتمع بالعدالة في النظرة أو الحكم، وتنفي تحليه بقيم أخلاقية حقيقية. فهي —من وجهة نظري ووجهة نظر الكاتبة— قيم صورية تتلون باختلاف الجاني: رجلا كان أو أنثى.
تأملات فلسفية في كنه الحياة وطبيعة النفس البشرية
بثت الكاتبة تأملاتها الفلسفية بين طيات سردها؛ لتنقل للقارئ مجموعة من الرؤى والأفكار الحرة بالتأمل عن كنه الحياة وطبيعة النفس البشرية، ومن ذلك قولها: "ما كان يتراءى لك في الماضي قانونا لا يتزعزع، يصبح تفكيرا هرما كنا ندفن فيه أحلامنا وشبابنا. سنراه قبوا مظلما بعد أن كان هو نهاية المطاف".
وتقول أيضا: "إن القلوب التي لا تحس بوجود الآخرين ولا بمعاناتهم هي قلوب ميتة".
وتقول: "حينما يتحدث الزمن بدل البشر، سنكتشف الحقيقة وينهار الوهم. قد يعيش الإنسان كل العمر وهو لا يعرف حقيقة مشاعره وقيمة نفسه حينما يهدي قلبه لغيره حالما بسعادة لن يعرفها أبدا".
الحوار
جاء الديالوج مواكبا ومعينا للسرد النفسي الداخلي. فثمة نوعان من الحوار: أولهما وجهته ليلى بضمير المخاطب إلى رفيق، لكنه جرى داخلها ولم يتجاوز أعماقها، ومن ذلك قولها: "لماذا دمرت قلبي وهدمت روحي؟! ما حاجتي بحياة لا تشاركني فيها بقلبك وجنونك؟!".
أما الثاني فهو الحوار الخارجي الصريح، كتلك المقاطع الحوارية التي دارت بين ليلى وكريم، وليلى وحورية، وليلى وكوثر، وليلى ووالدتها.
وقد فضلت الكاتبة استخدام اللغة العربية الفصيحة الميسرة الرشيقة، ولم تلجأ إلا فيما ندر إلى اللهجات الدارجة التي استشهدت بعبارات قليلة منها، ووضحت معناها في الهامش.
ونلاحظ أن الحوارات الخارجية كانت وسيلة من الوسائل التي كشفت بها شخصيات الرواية عن توجهاتها وأفكارها ومكنوناتها الداخلية كذلك.
مآخذ
شاب الرواية —من وجهة نظري— عدد من المآخذ، ألخصها فيما يلي:
- اتسمت الرواية ببطء الإيقاع، الأمر الناتج عن اعتمادها في الغالب الأعم على السرد النفسي، والذي قد يصيب القارئ بشيء من الملل. ورغم محاولة الكاتبة تعويض القارئ بلغة استعارية مدهشة، فقد عاز الرواية بعض الاختزال والتكثيف، وحذف عدد من المونولوجات الداخلية. كما عازها إفراد مساحة أكبر للسرد الخارجي للتسريع من وتيرة إيقاع السرد ولإضفاء شيء من التشويق على أحداث الرواية —الأمر الذي لا يفي به السرد النفسي الذي لجأت إليه الكاتبة.
- أفردت الكاتبة مساحة كبيرة جدا للتعبير عن الحياة الداخلية للشخصية الرئيسية ليلى، في حين أفردت مساحة أقل بكثير للتعبير عن شخصية كريم، وفي حين أغفلت التعبير عن دوافع شخصية رفيق؛ فلا نكاد نسمع له صوتا. إذ اعتمدت الكاتبة على فرض نظرتها إليه على القارئ؛ فالقارئ يرى رفيقا بعيني ليلى.
وكنت أتمنى أن تعتمد الكاتبة على تعدد الأصوات، وأن تسمح لصوت رفيق بالظهور؛ كي تظهر دوافعه، وكي يتعرف القارئ على تاريخ تلك الشخصية والأسرار التي أدت إلى تحولها والملابسات التي أدت إلى ركونه للخيانة.
كما كنت أتمنى أن تدع الكاتبة الحكم للقارئ على تلك الشخصية المحورية. فالرواية الحديثة ما عادت تحتمل النظرات الأحادية في عالم ما عاد يسوده اليقين في مواجهة الضبابية.
- هل يستحق كريم ما أضفته عليه الكاتبة من هالة، وما أضمرته ليلى من حب؟
فالراصد لتاريخ العلاقة القديمة —وفق ما قدمته الكاتبة— يجد كريما شخصا سلبيا، تخلى عن ليلى ليتجنب سخرية رفاق المدرج الذين سخروا من تبادل الكتب والرسائل بينه وبين محبوبته. فضل كريم الابتعاد عنها وتركها نهبا للظنون، الأمر الذي دفعها إلى الاقتران بأول خاطب. في حين استسلم هو لرغبة أبيه وتزوج زواجا تقليديا من ابنة عمه، وعاش حياته طولا وعرضا سعيا وراء أحلامه الأكاديمية والوظيفية.
العلاقة بين ليلى وكريم بدت علاقة سطحية هشة، لم يحرص الطرفان على استمرارها. الأمر الذي يضع علامة استفهام كبيرة أمام عذابات ليلى وكريم، في الوقت الذي تخلى فيه كلاهما عن الآخر بدون أية ضغوط تذكر.
الأمر الآخر الذي أضعف الحبكة —من وجهة نظري— هو توقيت سعي ليلى لاستعادة حبها القديم. ودعني هنا أطرح سؤالا: هل كان هذا السعي بدافع عاطفة حقيقية، أم كان مجرد تعويض عن إخفاق ليلى في زواجها، ذلك الإخفاق الذي بلغ ذروته باكتشافها خيانة زوجها؟! ماذا لو كان رفيق زوجا مثاليا وفيا، هل كانت ليلى ستسعى لاستعادة قصة حبها القديم، أم أن كريما كان سيطويه النسيان؟! وماذا لو كانت زوجة كريم زوجة مثالية تهتم به وتوليه عواطفها وعنايتها؟ هل كان كريم سيفكر في استعادة علاقته بليلى؟!
إن الحبكة —وفق تلك المعطيات— في حاجة من وجهة نظري إلى إعادة صياغة؛ لتبدو حبكة منطقية تتوافق مع عذابات ليلى وكريم ومشاعرهما الفياضة تجاه بعضهما البعض.
