جولة الوعي في متاهات ما بعد المحاكمة الكبرى : قراءة فلسفية في رواية
للمؤلف (صلاح علي نقاب) "L’aprés armageddon"
أ/كمال لعرابي
1/5/20261 min read


جولة الوعي في متاهات ما بعد المحاكمة الكبرى :
قراءة فلسفية في رواية "L’aprés armageddon"
للمؤلف (صلاح علي نقاب)
بقلم: أ. كمال لعرابي
إنّ السردية الروائية "L'aprés armageddon" ليست مجرد شذرة من رواية ديستوبية؛ إنما تتجلى كمرآة مكثفة تعمل على عكس تيه الوجود الإنساني في عالم ما بعد الكارثة، وذلك من خلال بسط أبعاد فلسفية عميقة تتقاطع فيها خيوط الكينونة مع المنطق والأخلاق. تغوص هذه السردية في فجوة فقدان المعنى، وتآكل الهوية، وفي عبثية البحث عن الحقيقة ضمن مجتمع تمت إعادة تشكيله على حطام الجنون البشري. فترسم هذه السردية عالما متشرذما، ليس فقط جغرافيا وإنما أيضا من حيث الجانب الوجودي، حيث تصارع البقايا البشرية تلك الأنظمة القمعية وكذلك أطياف ذواتهم المنقسمة، في سعي دؤوب نحو الخلاص، أو بالأحرى وعلى الأقل، نحو بصيص من الأصالة.
الأبعاد الوجودية: سخافة الوجود وتضائل الذات
يبدأ النص بلوحة كابوسية لعالمٍ مُباد، حيث دمرت الأرض بفعل "التغير المناخي، والجوائح العالمية، والمجازر التي ارتكبتها المختبرات الصيدلانية، والتطعيم الإجباري"، وصولا إلى "حروب الأديان" و "طوفان من القنابل النووية". وهذه المشهدية الاستهلالية لا تعني نهاية الحضارة فحسب، بل تمثل انهيار كل ما كان يمنح الوجود الإنساني معناه التقليدي. في هذا العالم الذي تلا "أرمجدون"، حيث الأديان إما محظورة أو متكاثرة لدرجة التخبط، وحيث أصبح "إعلان موت الإله" مبدأ أساسيا للحياة في "العالم الأول"، يواجه الكائن البشري عبثية وجوده وجها لوجه.
إن السؤال المركزي الذي يؤرق شخصيات السردية، ولا سيما "ماس"، هو "فهم سبب وجوده ووجود الكون بأسره". حيث تفرض القناعة بموت الإله أو غيابه فراغا ميتافيزيقيا سحيقا، وهذا ما يدفع بالأفراد إمّا إلى اختراع آلهتهم الخاصة في "العالم صفر"، أو الانغماس في هاوية العدمية واليأس، اللذين يتجليان في حالة "اللامبالاة" العامة.
تتفاقم هذه الأزمة الوجودية بفعل تقويض مفهوم الهوية الفردية والأصالة. فالبشر في هذا العالم، وتحديداً في "العالم صفر" وفي "جزيرة العودة"، ليسوا سوى "بضائع، قطع غيار، أو أجساد مُعاد تدويرها". إن قصة "أدانا" ، التي "ولدت بلا رحم" وقد انتزعه النظام منها، والتي "أعيد تشكيل" جسدها ليلبي متطلبات "صناعة اللذة" ، هي شهادة شنيعة على تجريد الإنسان من جوهره البيولوجي والوجودي. إن كونها "مصنوعة" يجعلها تشعر بأنها مجرد "صندوق من اللحم للأرواح"، دون أي قيمة.. سوى كونه "وعاءً" يُباع ويُشترى. ويبلغ هذا التقويض ذروته مع الكشف عن أن "ماس" نفسه ليس سوى "نسخة"، وجزء من تجربة بيولوجية أوسع، وأن هويته وذاكرته، بل وحتى مشاعره، قد تكون "مبرمجة".
وهذا يثير السؤل الوجودي المرعب، ألا وهو: إذا كانت "الذات" مجرد نسخة، فهل يمكنها أن تكون حرة؟ وهل يمكنها امتلاك أصالة ما؟ إن "الأصل" الذي يبحث عنه "ماس" ليس مجرد شخص، إنما هو رمز للأصالة المفقودة، وللمعنى المسلوب، ولجوهر الذات الذي يجب استعادته. وتتجلى الحرية، بوصفها بعداً وجوديا، في "وهم الاختيار" الذي يمنحه النظام للأفراد. ففي "العالم الأول"، كل حركة مراقبة، وكل حاجة مقننة، وكل حياة "مبرمجة" لتدوم "ثلاثة قرون" في "ملل" يدفع إلى الانتحار. أما في "العالم صفر"، فإن الفوضى الظاهرية تحجب الاستغلال الممنهج، حيث "لا أحد يملك جسده"، وحيث "موقعك الجغرافي، والغرفة التي تنام فيها، ترسم حدود عبوديتك". حتى "الأخلاقيون"، الذين يبدون وكأنهم يقدمون بديلا، يفرضون قراءتهم للوجود ويصنفون البشر، مما يثير تساؤلا حول إمكانية قيام حرية حقيقية في ظل أي نظام كان. وأما الخلاص الوجودي لـ "ماس" يكمن في رفضه أن يكون "نسخة"، وفي إصراره على "كسر هذا النظام" واختياره على أن "يكون ما يختار أن يكون". هذا الاختيار، وإن كان "مبرمجا" كـ "خيار طوارئ" في صلب النظام ذاته، يصبح جوهر حريته المتبقية، والفعل الفريد غير القابل للتكرار، كما يوحي "موش" .
الأبعاد المنطقية: التلاعب بالحقيقة وتزييف اللغة
يصور النص عالما انهارت فيه المعرفة التقليدية، وتلاشت فيه الخطوط الفاصلة بين الحقيقة والخيال. وقد أصبحت اللغة ذاتها، المتمثلة في "اللغة العالمية"، " مفردات فقيرة... مجرد أداة للأمر، وناقلا للمعلومات الخام"، مجردة من الاستعارة والشعر، قادرة على إعطاء الأوامر.. ولكن ليس على التفكير النقدي أو التعبير عن الرأي. وهذا التجريد اللغوي هو أداة منطقية للتلاعب بالوعي، مما يجعل التفكير المعقد أو التساؤل أمرا مستحيلا بسبب الافتقار إلى الأدوات اللغوية. وتُقدَّم "الأكاذيب" بوصفها عنصرا أساسياً في بنية هذا العالم. فممرات السفينة تعرض صورا دعائية متناقضة لـ "العالم الأول" كفردوس، ولـ "العالم صفر" كجحيم، بينما الواقع أكثر تعقيدا وقسوة. تَعِدُ "الإنترنت المغلقة" في "جزيرة العودة" بـ "كل شيء" وبـ "الذات" ، بينما "الإنترنت المفتوحة" ليست سوى "مرآة مشوهة، مراقبة حتى الهوس". وهذا الانقسام في مصادر المعرفة ليس عشوائيا؛ فهو تشكل استراتيجية منطقية لـ "توزيع الواقع"، بحيث لا يدرك كل فرد سوى جزء من الحقيقة التي تخدم غايات النظام، بينما يظل الجوهر خفيا.
وتتوج الأبعاد المنطقية بالكشف عن "عدن" بوصفها "محاكاة هائلة"، وعن "الأخلاقيين" كـ "وحدة" ضمن نظام أوسع. فالحقيقة التي يدركها الأفراد ليست كاملة ولا مطلقة؛ إنما هي "نسخة" من الواقع، جرى تعديلها وتصميمها لتتناسب مع دورهم في النظام. وحتى "موش"، الذي بدا في البداية مصدرا للمعرفة السرية. قد يكون هو نفسه "نسخة" أو جزءا من هذه المحاكاة المعقدة. وهذا يغرق القارئ، ومعه "ماس"، في مأزق منطقي شديد: كيف يمكن التمييز بين الأصل والنسخة؟ بين الحقيقة والوهم؟ وبين الوعي المبرمج والاختيار الحر؟ وتتحول رحلة البحث عن "الأصل" إلى بحث عن نقطة مرجعية ثابتة في عالم يفتقر إلى أي أساس منطقي غير سيال. و"ماس" نفسه، بماضيه المفقود وتجاربه المتعددة، يجسد هذا المأزق الفلسفي: كيف يمكنه إثبات وجوده الذاتي بينما تشير كل الأدلة المنطقية إلى أنه مجرد "منتج" ؟
الأبعاد الأخلاقية: استغلال المادي وتشويه القيم
تتبدى الأبعاد الأخلاقية لـ " ما بعد أرمجدون" في تحويل الكائن البشري إلى " سلعة" قابلة للتصنيع والبيع والاستهلاك. فـ " جزيرة العودة" ليست سوى " مصنع للأجساد"، حيث النساء هن " حارسات النوع البشري"، لا بالمعنى الإنجابي، وإنما بوصفهن منتجات جنسية قابلة للتجديد، يتم " إعادة تدويرهن" بـ "الأمصال والخلايا الجذعية" لإطالة عمرهن. إن فكرة " الأعضاء الواعية" المستأصلة من أجساد "عرفت المعاناة والحب" لتحسين جودتها من أجل " الأصول" هي ذروة الهمجية الأخلاقية، حيث يتم استغلال التجربة الإنسانية، بما في ذلك الألم، كقيمة مضافة في سوق الأعضاء. وهذا يقوض جذريا الكرامة الإنسانية وقيمتها الجوهرية، ويختزلها إلى مجرد مورد بيولوجي صرف.
ويتم تناول مسألة الإنجاب والنسل بطريقة صادمة. فـ " التعقيم الإجباري" للنساء في "العالم الأول"، و"قوانين التعقيم" الصارمة التي تستهدف الرجال في " العالم صفر" (كما كان الحال مع أناتول)، تشكل انتهاكا صارخا لأبسط الحقوق الإنجابية. ويُبرَّر هذا التحكم الديموغرافي الشامل بمنع " الانهيار السكاني» أو " جنون العالم"، لكنه في الحقيقة يلغي المعنى الطبيعي للحياة كعملية مستمرة من الخلق والتجدد. في عدن، حيث " يولد المرء كبيرا، ويبقى كبيرا، أو لا يولد أبدا"، وحيث " المرأة في السماء حيث الأمومة منزهة"، يتم طمس الدور الإنجابي للمرأة ويتحول الإنجاب إلى عملية صناعية، لا مكان فيها للأمومة التقليدية.
يقدم النص تنازعا أخلاقيا معقدا بين " قانون التعايش السلمي" لـ " العالم الأول" الذي يعلن " موت الإله" ويرفع الكائن البشري ليكون " مقياس كل شيء"، وبين " الأخلاقيين" الذين يبعثون النصوص المقدسة ليجعلوا منها " مرآة" للوعي المتناقض، والذين لا يدعون إلى " الخير" وإنما إلى " التساؤل عن سبب تسميته خيرا". ويثير هذا التناقض سؤالا مستفيضا حول الأساس الحقيقي للأخلاق في عالم يخلو من الألوهية أو التعالي، باستثناء تلك التي يصنعها الإنسان. فهل الأخلاق هي القوة التي تحافظ على النظام على حسب فكر نيشه، أم هي التساؤل المستمر والاعتراف بالتناقض البشري؟ إن " الأخلاقيين"، بفرضهم كتابهم المحظور وسجنهم لأولئك غير المقتنعين، يقعون في فخ الدغمائية نفسه الذي يزعمون محاربته، مما يوحي بأن أي محاولة لفرض نظام أخلاقي مطلق، حتى لو استندت إلى رفض المطلق، قد تؤدي إلى القمع.
وفي النهاية، يجد "ماس" خلاصه الأخلاقي ليس من خلال الانضمام إلى أي من المعسكرين، وإنما برفض التنميط، والتأكيد على أنه " يملك ذاته" وأن " الخيار" هو القيمة الأخلاقية الوحيدة التي لا يمكن تزييفها أو نسخها. إن موته المحتمل من أجل " الأصل" هو تضحية أخلاقية، حيث يختار " ماس" تحمل عبء الوعي والألم ليتمكن من " إعادة تعريف نفسه" و" الخروج من المعادلة" التي وضعته فيها القوى المهيمنة. ورسالته الأخيرة، التي لا يسمعها أحد، " لقد انتصرت"، هي نصر أخلاقي على نظام حاول تجريد الإنسان من إنسانيته.
الخاتمة: نحو وجود متعالٍ في عالم محطم
" ما بعد أرمجدون" ليست مجرد حكاية بسيطة عن مستقبل محتمل، إنما هي محاكمة فلسفية جذرية لمفاهيم الوجود والمنطق والأخلاق في عصر تلاشت فيه الحدود بين الإنسان والآلة، وبين الأصل والنسخة، وبين الحقيقة والوهم. فهي تقدم رؤية مرعبة لعالم نجح في إطالة الحياة الجسدية على حساب الروح، وحوّل الوعي إلى بيانات قابلة للنسخ، والمعنى إلى معادلات يمكن التحكم فيها. وتعد رحلة " ماس" رمزا للسعي البشري الدؤوب نحو الأصالة في مواجهة التزييف، ونحو الحرية في مواجهة الحتمية، ونحو المعنى في مواجهة العدمية. إن اكتشاف كونه " نسخة" لا يدمره، إنما يحرره، لكونه يدفعه إلى إعادة تعريف نفسه، ليس بناء على ما ورثه أو ما صُنع منه، وإنما على أساس ما يختاره ويبتكره. وإن نجاح " ماس" النهائي لا يكمن في تدمير النظام، وإنما يكمن في اختراقه، وفي استعادة أصوات " أدانا" و" أستريد" و" موش" – تلك الأصوات التي، رغم اختلافاتها، هي التي تدعوٌّ إلى « التساؤل» ، و" الشعور" ، و" الإنصات عوضا عن السماع".
تظل المسألة الوجودية مفتوحة: هل يكمن "الأصل" الحقيقي في ذلك الجسد الأول الذي بُنيت عليه كل النسخ، أم في الوعي الذي يقاوم التنميط ويسعى إلى " إعادة اكتشاف ذاته" ؟ يشير النص إلى أن الأصالة ليست نقطة ثابتة في الماضي، بل هي فعلٌ مستمر من التحدي وخلق الذات في الحاضر. إن " ما بعد أرمجدون" في هذا النص ليست مجرد حقبة زمنية، بل هي حالة وجودية دائمة، تتطلب من الكائن البشري أن يعيد تعريف كينونته في كل لحظة، ومع كل خيار، ليظل صامداً في وجه رياح عالم يحاول محوه. وهكذا، يصبح العمل دعوة فلسفية عميقة لتأكيد قيمة الوعي الفردي والذاكرة والاختيار بوصفها الحصون الأخيرة للإنسانية أمام أي نظام يحاول إبادتها أو استنساخها.
