حينما يُبعث القصاص من تحت الرماد : وقائعُ 'سلسلة من الجرائم' التي لا تقبل النسيان

قراءة في رواية عنقاء العدالة (أترجة ريتاج دين)

بقلم الأستاذ: كمال لعرابي

3/6/20261 min read

تُقدّم رواية "عنقاء العدالة" للكاتبة الشابة والواعدة 'أترجة ريتاج دين' نفسها كمختبر أنطولوجي ومرآة فلسفية تعكس أعقد التساؤلات الميتافيزيقية حول الوجود، الحقيقة، والعدالة وهذا اضافة لكونها منتج أدبي ضمن "أدب الجريمة" التقليدي.

- قراءة نقدية تتجاوز من الجاني؟ لتسأل ما هو الجوهر؟ -

تتأسس الرواية على رمزية "العنقاء" وهذه الرمزية ليست فقط استعارة بلاغية، وانما من يولج في متن السرد يجدها طرحا ميتافيزيقيا لفكرة "العود الأبدي" الذي تبنه نيشه في فلسفته. فالحقيقة في هذا العمل الأدبي تمتلك "جوهرا" عصيا على الفناء؛ قد تُحرق أو تُدفن تحت ركام الزمن، لكنها تمتلك قدرة ذاتية على الانبعاث. إنها "أليثيا" (Aletheia) بالمعنى اليوناني، أي "عدم الخفاء". فالحقيقة في الرواية هي بمثابة الكائن الأخرس الذي يحتاج إلى "حنجرة" المحقق ليصرخ، وهي لا تتجلى إلا بتمزيق "الأقنعة"؛ تلك الستائر الزائفة التي يرتديها المجتمع (كما في تجسيد القصر العتيق أو المسرح الملكي) لإخفاء وحشية (الداخل) خلف فخامة (الخارج).

فتطرح الرواية صراعا جوهريا بين "العدالة الإجرائية" (المسرح الرديء للمحاكم) وبين "العدالة الجوهرية" التي تصفها الكاتبة الناشئة بأنها "قوة ميتافيزيقية تتربص في الظل". فالعدالة هنا "كارما" أو "نيميسيس" (القصاص الإلهي العادل) الذي يعيد التوازن للكون أكثر من مجرد حكم قضائي. ومن خلال شخصية المحققة "حسناء"، نلمس نقد الرواية لـ "جريمة الصمت".. فالصمت هنا -في هذا النص الروائي - يُخرج الفرد من دائرة الحياد ويضعه في دائرة التواطؤ الأخلاقي، مما يتقاطع مع أطروحات 'حنة آرندت' حول "تفاهة الشر". فالشر في الرواية ليس دائما فعلا عنيفا، وانما يتجلى في "بقعة سوداء" تتغذى على الروح والسكوت.

تتعامل الرواية مع العالم كـ "نص مشفر" فالحقيقة فيها "مجزأة" مثل "شظايا المرآة المحطمة"؛ فكل شاهد يملك قطعة، لكن لا أحد يملك المطلق أو الكلي. فالمحقق في هذا النص لا يبحث عن بصمات مادية فقط، انما يمارس "تأويلا فلسفيا" للرموز ك: (الخاتم الأسود، شمع الختم، رائحة التبغ). فتُعد "قطرة الشمع" التي كشفت الجاني برهانا ميتافيزيقيا على "أثر الفراشة" حيث التفصيلة الهامشية هي التي تقرر المصير الوجودي. فالمادة في الرواية (الجمادات) ليست صامتة، وانما تتجلى للقارئ من اللحظة الأولى أنها "شاهد أخلاقي" يرفض التواطؤ مع القاتل، وكأن الكون ينحاز فطريا للوضوح.

تتبنى الكاتبة رؤية نيتشوية في "فلسفة التحول عبر الألم"، فالشخصيات (وخاصة حسناء) تدخل عالما يُولد فيه الألم قوة، وتصنع فيه الخيانة حكمة. فالوجع هو "المختبر" الذي يصقل الإرادة. فعندما تواجه حسناء 'العنقاء' (سهيل)، نحن أمام صدام بين إرادتين: "إرادة القوة" المظلمة التي تظن أنها تهندس الأقدار، و"إرادة الحرية" التي تولد أو بالأحرى تنبع من قلب الرماد. حيث تمثل حسناء 'الإنسان المتفوق' الذي يتحرر من دور الضحية ليصبح هو "القدر" ذاته، محققة انتصارا أخلاقيا حتى في ذروة الفقد الوجودي. والزمن في "عنقاء العدالة" دائرة حلزونية" جرائم عام 2006 هي التي تشكل واقع 2026. وهذا "التعالق الزمني" يشير إلى أن الماضي لا يمضي؛ إنه "شبح يرفض الرحيل".. بعيد عن سيرورة الزمن في خطه المستقيم. والذاكرة "لعنة وجودية" وواجب أخلاقي ضد النسيان الذي يُعتبر جريمة ثانية بحق الضحايا وليست وظيفة ذهنية كما هي في العادة المعهودة.

إن رواية "عنقاء العدالة" هي مرثية فلسفية للأبرياء، ومرافعة حارقة عن الحق. إنها تؤكد أنّ "الرماد" مهد الانبعاث الجديد ولن يكون أبدا نهاية الحكاية. لقد نجحت "أترجة ريتاج دين" في تحويل "الغرفة المغلقة" للجريمة إلى فضاء كوني مفتوح على تساؤلات الروح، مؤكدة أنّ العدالة، وإن تأخرت أو "تواطأت السماء" في نظر البعض، تظل النهر الذي لا بد أن يصل إلى مصبه، طالما أن هناك إرادة تعشق النور وتأبى الانكسار أمام الظلال.

جامعة مولود معمري - تيزي وزو / يوم: 01.03.2026