بين أروقة كتاب "الآخر يرد بالكتابة: مقارنات ثقافية وما بعد كولونيالية"

للباحثة والناقدة الجزائرية د. مديحة عتيق

أ.كرم الصباغ

12/1/20251 min read

بين أروقة كتاب "الآخر يرد بالكتابة: مقارنات ثقافية وما بعد كولونيالية"

للباحثة والناقدة الجزائرية د. مديحة عتيق

أ.كرم الصباغ

مدخل نظري:

لقد عانت شعوب العالم الثالث مما اصطلح عليه بالكولونيالية (Colonialism) أو الاستعمارية، والتي تعرف بأنها: "ممارسة أو سياسة للسيطرة على أشخاص أو مناطق أخرى من قبل شعب معين أو سلطة ما، غالبا عبر إنشاء المستعمرات، وبهدف الهيمنة الاقتصادية. وفي عملية الاستعمار، قد يفرض المستعمر دينه ولغته واقتصاده وممارساته الثقافية الأخرى. ويحكم المسؤولون الأجانب المنطقة سعيا وراء مصالحهم، وذلك للاستفادة من موارد وشعوب المنطقة المستعمرة. وترتبط الاستعمارية بالإمبريالية، ولكنها مختلفة عنها" (1).

وتجدر الإشارة إلى أن إدوارد سعيد يطرح الفارق بينهما كما يلي: "الإمبريالية تعني الممارسة والنظرية والتوجهات الخاصة بمركز حضري مستبد يحكم إقليما نائيا، بينما الكولونيالية التي كانت على الدوام نتيجة للإمبريالية هي زرع للمستوطنات في إقليم ناء" (2).

أي أن سعيد خصص الإمبريالية للقوة الخارجية الأيديولوجية، بينما الكولونيالية للممارسة، مع التأكيد رغم ذلك أن ثمة استخداما شائعا للكولونيالية كنمط مميز من الأيديولوجيا السياسية.

ومنذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت حركات التحرر، وتخلصت الكثير من الشعوب المقهورة من نير الاستعمار، فبدأت كتابات ما اصطلح عليه بما بعد الكولونيالية (Postcolonial)، وهي "نظرية تكشف وتعالج الخطاب الاستعماري من وجهة نظر المستعمر. إنها إعادة قراءة الأحداث والتاريخ من زاوية مغايرة تماما يقررها التابع أو المستعمر، تحلل العلاقات بين الشرق والغرب ضمن مساءلة ثقافية قدمها ثلة من الباحثين الذين تمكنوا من الولوج إلى الفكر الغربي والتدريس في جامعاته، وطرح رؤية مختلفة عما قدمه المستعمر، تصحيحا للمسار الإنساني وتثبيتا للهوية القومية" (3).

و"عادة ما يميز الباحثون في الدراسات ما بعد الكولونيالية بين محطتين تأسيسيتين لهذه المدرسة: محطة تمهيدية أولى بدأت مع الكتاب الذين وقفوا ضد الهيمنة الغربية خلال الحقبة الاستعمارية. هنا تحضر أعمال فانون وسيزير... إلا أن الجميع يتفق على أن الوثيقة النظرية الحقيقية للدراسات ما بعد الكولونيالية هي كتاب المفكر والناقد الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد "الاستشراق: الشرق كما اخترعه الغرب" الذي صدر بالإنجليزية عام 1978" (4).

تأسست تلك النظرية "على يد إدوارد سعيد الذي يعد كتابه الاستشراق الوثيقة النظرية الأهم —كما أشرنا من قبل. تلك الوثيقة التي ألهمت النقاد من بعده، وتأتي جهود الهندي هومي بهابها، والهندية غياتري سبيفاك، لتتبلور نظرية ما بعد الكولونيالية".

ولا يمكن إغفال تأثير فرانز فانون على أقطاب ما بعد الكولونيالية الثلاثة، حيث رأوا فيه ملهما من خلال كتابه "معذبو الأرض" وما اشتمل عليه من مبادئ لا يمكن إغفال تأثيرها. حتى أن الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر كتب مقدمة الكتاب، ولم تمنعه فرنسيته من أن يكون منصفا، فنراه يفضح ممارسات المستعمر ونرجسيته وألاعيبه، ويدين شريحة من المستعمرين أنفسهم، فكتب: "منذ زمن غير بعيد جدا، كان عدد سكان الأرض مليارين، منهم خمسمائة مليون من البشر، ومليار وخمسمائة مليون من "السكان الأصليين". فالأولون يملكون الكلمة، والآخرون يستعيرونها. وبين هؤلاء وأولئك، يقوم بدور الوسطاء ملوك صغار مشترون، وإقطاعيون، وبورجوازية زائفة ملفقة تلفيقا. وكانت الحقيقة في المستعمرات تبدو عارية، وكانت عواصم البلاد المستعمرة تؤثرها مكسوة" (5).

ويمضي في مقدمته فيكتب: "وانتهى ذلك العهد، وأخذت الأفواه تنفتح من تلقاء ذاتها، وظلت الأصوات الصفراء والسوداء تتحدث عن نزعتنا الإنسانية، ولكنها أصبحت تفعل ذلك لتأخذ علينا أننا غير إنسانيين. وأصبحنا نصغي إلى تلك الآراء اللبقة التي تعبر عن المرارة دون أن نشعر بالاستياء... وكنا نضيف سرا فيما بيننا: دعوهم يعووا، فذلك يسري عنهم. إن الكلب الذي ينبح لا يعض" (6).

ولعل ما أشار إليه جان بول سارتر من طبقة المنتفعين من الاستعمار يفسر لماذا لم يعول فانون عليها في القيام بفعل الثورة والانخراط في حركات التحرر الوطني، لأن تلك الطبقة كان لديها ما تخسره إذا تم تفكيك النظم الاستعمارية وإزاحتها، في حين عول على طبقة الفلاحين التي ذاقت الذل والحرمان والاضطهاد، فليس لديها ما تخسره.

ولعل في المدخل النظري السابق ما يعين القارئ على الولوج إلى كتاب د. مديحة عتيق "الآخر يرد بالكتابة: مقارنات ثقافية وما بعد كولونيالية"، الذي أرى من وجهة نظري ضرورة ضم ورقتها البحثية المعنونة بـ"ما بعد الكولونيالية: مفهومها، أعلامها، أطروحاتها" لتكون الفصل الأول لهذا الكتاب الذي بين أيدينا.

بين رحاب الكتاب:

الفصل الأول: رواية "جاين آير" لشارلوت برونتي ورواية "بحر سارغاسو الواسع" لجين ريس —دراسة مقارنة في ضوء النقد ما بعد الكولونيالي

"لا بد أن شارلوت تكن ضغينة ما لجزر الهند الغربية، وكنت غاضبة بشأنها وإلا لم قادت تلك الهندية الغربية إلى ذلك الجنون الفظيع".

إن هذا التعليق الذي تقوله ريس يمثل مفتاحا لفهم رؤيتها التي عادت من خلالها إلى رواية شارلوت برونتي "جين آير" لتستقرئها وترد الاعتبار الذي غاب عن بيرتا مايسون أو أنطوانيت كوسوي وفقا للتاريخ الحياتي الذي كتبته لشخصيتها، التي كانت على نحو ما نظيرة من نظائر جين ريس المولودة عام 1890 لأب ويلزي وأم خلاسية، وسليلة أحد مالكي العبيد المستعمرين في الجزيرة، التي لم تلغ العبودية فيها حتى عام 1834. عانت ريس في طفولتها من تشتت الهوية والانتماء في جزيرة الدومينيكان، إحدى جزر الهند الغربية. وقد شابهت أنطوانيت/بيرتا جين ريس في كونها من جامايكا، إحدى جزر الهند الغربية، ومن عائلة كانت مالكة للعبيد، وذات بشرة بيضاء، مما جعلها وأمها من قبلها تقاسي رفض السكان المحليين وكراهيتهم. ليبدأ منذ وقت مبكر في حياة أنطوانيت/بيرتا التمزق الهوياتي وإحساس اللاانتماء الذي ضرب الشخصية والكاتبة على حد سواء، واستمر معهما حتى وفاتهما (7).

وخلاصة ما عرضته د. مديحة عتيق في هذا الفصل أن جين ريس، التي تمثل صوتا لما بعد الكولونيالي، آلت على نفسها تفنيد الخطاب الكولونيالي ودحض مزاعمه. ففي حين كشفت شارلوت برونتي عن وجه عنصري، وتبنت خطابا أحاديا أخرست من خلاله بيرتا، "مجنونة العلية"، وألصقت بها كل الصفات الدونية، وجعلتها في عيني السيد روشستر بهيمة أو شيطانا، على العكس مما فعلته بجاين آير التي سمت الرواية باسمها وجعلت صوتها مهيمنا على الرواية، وجعلتها في عين السيد روشستر رمزا للرقة والجمال والعلم. بل جعلتها تشاطر الرجل الأبيض مهمته وعبئه الحضاري بأن ادعت أنها ستنقذ جواري الشرق من العبودية، عزفا على نغمة المستعمرين الذين غلفوا بربريتهم ووجههم الاستعماري القبيح بغلالة كاذبة من المدنية والتحضر، رافعين شعار أن السكان الأصليين في مستعمراتهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم؛ فينبغي على الرجال البيض أن يمثلوهم، وأن يخرجوهم من بداوتهم وهمجيتهم وتخلفهم وظلاميتهم إلى النور والتحضر.

وفي الوقت الذي جعلت فيه شارلوت برونتي بيرتا شخصية سكونية حبيسة غرفتها، يتحدث عنها الآخرون من وجهة نظرهم المنحازة العنصرية، تأتي جين ريس لتعيد كتابة روايتها، فتسمح لبيرتا بأن تتحدث من وجهة نظرها الغائبة. لكنها لا تقع فيما وقعت فيه برونتي من عنصرية وانحياز، بل استعملت تقنية السرد التناوبي الذي قسمته بين بيرتا التي أعادت لها اسمها القديم المسلوب "أنطوانيت"، والذي كشفت عن جشع روشستر الذي أحب ثروتها وكره شخصها، رغم توددها إليه، حتى دفعها إلى حافة الجنون. بل عمد إلى تشويه سمعتها في سادية مفرطة تدل على نذالة وحقارة المستعمر، على عكس ما يدعي.

لقد برعت ريس في الرد بالكتابة من موقع الآخر؛ حيث أجادت رسم صورة كاملة لحياة أنطوانيت، ونجحت في كشف اللثام عن الخلفية التي شكلت حياة بطلتها بحيادية، عرضت الأمر والحقيقة من كل الزوايا المحتملة، وعرضت الرأي والرأي الآخر. في حين وقعت شارلوت برونتي في فخ الخطاب الاستعماري العنصري النرجسي الإقصائي الأحادي الذي يحتكر الرؤية ويوظفها لمصالحه وأجندته الخاصة؛ فكان خطابا كولونياليا خالصا.

الفصل الثاني: نساء الهامش في البطاقات البريدية الكولونيالية —قراءة في كتاب "الحريم الكولونيالي" لمالك علولة

في كتابه "الحريم الكولونيالي"، قام الكاتب الجزائري مالك علولة بدراسة لبطاقات البريد التي أنتجها الفرنسيون أثناء الاحتلال الفرنسي. وخلال الدراسة، حلل علولة كيف تم تأطير واختزال شخصية المرأة في صورة، وبذلك استخدم مفهوم رولان بارت في رؤيته للكاميرا كفاعل اختزالي للشخصية، وأضاف له رؤيته الخاصة في كيفية التطويع التاريخي لصورة الجزائري والعربي، وتكييف الصورة بما يناسب "العين الشريرة" التي تريد تصميم الشرق حسب رؤيتها الخاصة.

ويعكس الكتاب، كما وضحت د. مديحة عتيق، الدونية الجنسية للمستعمر، الذي جاء من بلاده محملا بأوهام وصورة ذهنية مسبقة عن المرأة الجزائرية رسمها خياله المريض. أو كما يقول إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق": "الاستشراق ليس مجرد خيال أو أوهام أوروبية عن الشرق، ولكنه 'كيان له وجوده النظري والعملي، وقد أنشأه من أنشأه واستثمرت فيه استثمارات مادية كبيرة على مر أجيال عديدة'، وهو ما جعله يرى أيضا أنه لا يوجد ما يمكننا أن نسميه 'استشراقا إيجابيا'".

إذن، سعي المصور المستعمر إلى تصوير نساء الجزائر يخفي وراءه غرضا استعماريا خبيثا، وهو امتلاك المستعمر جسدا وأرضا. ففي الوقت الذي تحجج فيه هؤلاء المصورون بأن غرضهم توثيق الحياة الاجتماعية للجزائر وتقديم مادة لعلماء الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا، كان هدفهم استشراقيا جنسيا دنيئا يعكس الأوهام والتخيلات التي منى بها المصورون أنفسهم، سبقهم إليها الرسامون، كلوحات أوجين دولاكروا.

ولما كانت البطاقة أسرع انتشارا وأكثر تداولا، انتقل الحلم من اللوحة إلى البطاقة البريدية ليمثل ذلك "النظرة الرجولية الغربية إلى المرأة الشرقية انعكاسا لبنية رمزية مركبة لعلاقات اللامساواة بين الغرب والعالم الإسلامي. داخل هذه البنية الرمزية، تواصل البنى السلطوية القديمة اشتغالها بحسب التقابل التقليدي: بين السيد والمسود، والإمبراطورية الاستعمارية والمستعمرة" (8).

لقد حاول مالك علولة إعادة البطاقة إلى مرسلها، فاضحا تزويره. فالمصور حينما اصطدم بالحجاب الذي يستر سائر جسد المرأة الجزائرية، شعر بخيبة الأمل. ولكن نرجسيته أبت أن يعود وهو يجر أذيال خيبته، فلجأ إلى العارضات المستأجرات والاستوديو، والذي صممه على شكل حرملك كي يؤكد على الصورة الذهنية المترسخة في أذهان الغرب عن المرأة الشرقية: فهي مجرد جارية أو محظية خلقت لإمتاع الرجال والتسرية عنهم. وبالتالي، فهي امرأة مضطهدة في حاجة إلى الرجل الأبيض كي ينقذها، كعبء حضاري ملقى على كاهله.

ويبدأ مالك علولة في فضح جوانب التزوير: فثمة ثلاثة توصيفات مختلفة لصورة واحدة تظهر الفتاة ذاتها. ومعظم البطاقات التي صورت الأسرة الجزائرية اشتملت على زوج وزوجة وطفل واحد فقط، بدون الأعمام والجدات والأجداد، مما يعكس أن المصور إنما يصور بشكل لا شعوري الأسرة النووية التي عرفها في بيئته الأصلية. فضلا على أن معظم الفتيات على البطاقات بلا أسماء، عدا "الجميلة فاطمة" بدون تحديد.

وقد عرضت الدكتورة مديحة عتيق للانتقادات التي وجهت إلى كتاب مالك علولة، متمثلة في ازدواجية معاييره حينما عاب على المستعمر تزييفه وإساءته للمرأة الجزائرية بتصويرها بهذه الهيئة الخليعة، حتى لو كانت صورا مزيفة، فإذا بعلولة يورد هذه الصور في كتابه، مما يعمق ويوسع دائرة الإساءة. الانتقاد الثاني يتمثل في ابتعاد الكاتب عن اللغة العلمية وركونه إلى لغة شعرية يستدعي من خلالها صور طفولته. كما يؤخذ على علولة أنه لم يعط البديل لتصحيح الصورة المغلوطة. كما يعاب عليه طغيان الذاتي على الموضوعي، خاصة مع اعترافه أنه ألف كتابه لدوافع شخصية، أولها الدفاع عن بنات جلدته الجزائريات. لكنه في طبعة الكتاب الإنجليزية استدرك الأمر، فوضع الكتاب في سياقه التاريخي.

والجدير بالذكر أن علولة أصدر كتابه بعد ثلاث سنوات فقط من إصدار كتاب إدوارد سعيد، الذي لم يكن كتابه "الاستشراق" قد ترجم إلى الفرنسية بعد. أي أن علولة لم يتأثر بكتاب سعيد كباقي النقاد.

وأختم ذلك المحور بما كتبته الناقدة الجزائرية أسماء جزائري: "يحتاج الشرق إلى شرقه الكامل والواقعي، لا ذلك الشرق الشبقي المغمور بالسجون العقائدية أو السوريالية. فهل علينا اليوم العمل بجدية على طرح فكرة أن الغرب يحتاج أيضا إلى التحرر من الفكر المسبق عن الشرق؟ أعتقد نعم" (9).

الفصل الخامس: نقد ترجمة جبرا العربية لمسرحية "العاصفة" لشكسبير

تقدم د. مديحة عتيق في هذا الفصل نقدا وتقييما للترجمة العربية التي قام بها الكاتب والشاعر والمترجم الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا لمسرحية "العاصفة" لوليام شكسبير، وتثني على جهود المترجم الجبارة رغم ما بترجمته من مزالق. وبينت الصعوبات التي تواجه المترجم عند ترجمة نص أدبي، إذ يجب عليه توظيف أشكال تعبيرية عديدة وحيل صوتية وتوريات وتلاعبات لفظية وتعابير ثقافية تشحن النص بتعدد دلالي.

فالترجمة، وفق طرح ديجان، هي "فهم مقصود الكاتب، وإعادة صياغة ذلك المعنى المقصود في اللغة الهدف كما عبر عنه الكاتب قدر الإمكان، كما لو أنه المترجم المتحدث الأصلي في اللغة الهدف".

التكافؤ إذن هو الهدف من الترجمة. ولكن ثمة صعوبات تواجه المترجم لتحقيق أعلى مستويات التكافؤ، تنقسم إلى: الاختلافات الثقافية بين لغة وأخرى، والاختلاف في الأنظمة الصوتية والمعجمية، وفي الميزات والبنى التركيبية، وتراتبية الكلمات والأسلوب.

وتوضح د. مديحة عتيق أن الاختلاف في أخذ هذه الفوارق في الحسبان يؤدي إلى أن ينقل المترجم النص نقلا غير أمين. ثم تعرض استراتيجيات لوفيفير (Lefevere) السبعة لترجمة اللغة الأدبية الشعرية، وهي بإيجاز:

الترجمة الفونيمية (Phonemic translation)، وهي تقليد وإعادة إنتاج أصوات اللغة المصدر في اللغة الهدف.

الترجمة الحرفية، أي التركيز على الترجمة كلمة كلمة.

الترجمة الموزونة، وهي إعادة إنتاج أوزان اللغة المصدر.

الترجمة النثرية أو الشعر المنثور، وهي إعادة كتابة معاني القصيدة منثورة خالية من الوزن والإيقاع.

الترجمة الإيقاعية، أي الاهتمام بالوزن والإيقاع معا.

الترجمة الشعرية المرسلة، أي الاهتمام بالنية دون الوزن.

التأويل، أي تغيير شكل النص مع الاحتفاظ بجوهر نص اللغة الأصل.

تعطي د. مديحة عتيق بعد ذلك نظرة عامة على ترجمة جبرا لأعمال شكسبير، وكيف وظف الترجمة الحرفية لتلك الأعمال. ورغم براعته في بعض المقاطع، فقد حرم القارئ من الأثر الجمالي للنص الأصلي في مواضع أخرى عديدة. وتوضح الناقدة سر إخفاق الترجمة الحرفية في فرض الملامح الشكلية والسياقية للنص الإنجليزي على النص المترجم إلى اللغة العربية، لأن كلا منهما ينتمي إلى نظام لساني مختلف.

وتلفت الناقدة نظر القارئ إلى أن مسرحية "العاصفة" هي من أكثر أعمال شكسبير استعصاء على التحليل والتأويل، لأنها مكثفة وذات إيحاءات لا نهائية، وتتميز لغتها بالأصوات والبنيات الفريدة والصور والاستعارات المعقدة، كما أنها تزخر بالتوريات والإيماءات والتلاعب اللفظي. كل تلك الأمور مجتمعة تمثل عقبة شديدة الصعوبة أمام أي مترجم.

تعدد الناقدة بعد ذلك أوجه القصور التي شابت ترجمة جبرا لمسرحية "العاصفة"، حيث نتج عن التزامه بالترجمة الحرفية ما يلي:

- إعادة إنتاج النص الأصلي بشكل ساخر وغامض ومعتم في بعض الأحيان.

- اختياره غير الموفق أحيانا، حيث يستعمل كلمات عامية أو غير شعرية أو كلمات مهجورة لا تتلاءم مع روح العصر.

- تضحيته في بعض الأسطر بخصائص الشعر الشكلية الأساسية، أي الوزن والإيقاع، إذ يختلف النظام العروضي في اللغة الإنجليزية بشكل جذري عن النظام العروضي في اللغة العربية، مما يصعب على المترجم الاحتفاظ بالوزن، الأمر الذي يحرم القارئ من الجمال الناتج عن دلالة الأصوات.

- سوء فهمه لبعض الكلمات، مما نتج عنه الخطأ في الترجمة.

- سقوط بعض الكلمات منه سهوا، أو إغفاله إياها عمدا، مما يمس أمانة الترجمة.

- عدم اتباعه منهجا واحدا عند ترجمة الأسماء، فقد استخدم ثلاث طرق: أولها استخدام الحروف العربية مع مراعاة طريقة نطق الأسماء في اللغة الإنجليزية، وثانيها تعريب الأسماء، وثالثها تقديم معاني الأسماء الإنجليزية باللغة العربية —مثل silver قدم معناها بالعربية "فضة". وكان عليه الالتزام بطريقة واحدة. كذلك التباين في النوع (التذكير والتأنيث) بين الإنجليزية والعربية تسبب في بعض المشكلات في الترجمة.

- وقد عددت الناقدة المزالق التي وقع فيها المترجم نتيجة ما تزخر به مسرحية "العاصفة" من: التوريات، والتلاعب اللفظي، والإيماءات، والتوليفات، وتوظيف النماذج الاستعارية، والجناس.

لعل القارئ يسأل: لماذا اختارت الناقدة مسرحية "العاصفة" بالتحديد؟ وما علاقة ذلك بدراسات ما بعد الكولونيالية؟

للإجابة عن ذلك، يجب تأمل "ما قامت به آنيا لوميا حول مسرحية The Tempest لوليام شكسبير، فعلى الرغم من أن المسرحية المذكورة مليئة بأفكار حول الإنسان غير الأوروبي من حيث كونه وحشا وغير متحضر ولا يملك مميزات الرجل الأبيض، فقد رأت الباحثة أن مسرحية "العاصفة" قد مثلت على المسرح وفسرت، وحولت إلى قصة حب، لا علاقة لها بالاستعمار.

فالدراسات التي قام بها مثقفون ومفكرون ينتمون إلى العالم الثالث من خلال نقدهم لخطاب الاستعمار —من أمثال إيمي سيزير وفرانز فانون ثم إدوارد سعيد— ترى الخطاب المطحون بالفكر الكولونيالي يرى دائما الشعوب المستعمرة في صفتها الجمعية... ويخبرنا ألبرت ميمي أن علامة الجمع هي إشارة إلى تفكيك شخصية المستعمر، لا يتم تشخيص شخصية المستعمر بصورة فردية مطلقا، يحق له فقط أن يغرق في جماعة مجهولة الاسم ("إنهم هذا، إنهم جميعا متشابهون"). الأوروبي الفرد يواجه الحشود الغريبة، وإذا كان يتماثل معهم، إذا تجاوز الحد الفاصل بين الأنا والآخر، فإنه ينكص إلى سلوك بدائي إلى الجنون" (10).

وفق هذا الطرح، أرى من وجهة نظري أن د. مديحة عتيق أرادت أن تدعو القارئ العربي إلى إعادة قراءة مسرحية "العاصفة" المقدمة إليه عبر ترجمة جبرا، بعد أن أزاحت الدراسات ما بعد الكولونيالية اللثام عما بها من خطاب استعماري؛ فلا يدعونا إجلال وليم شكسبير كأديب له ما له من مكانة إلى غض الطرف عن تهافت نظرته وطرحه الكولونيالي.

المراجع:

(1) موسوعة ويكبيديا

(2) بيل أشكروفت، جاريث جريفت، وهيلين نيفين، دراسات ما بعد الكولونيالية: المفاهيم الرئيسية، ترجمة: أحمد الروبي، أيمتا حلمي، عاطف عثمان، تقديم: كرمة سامي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010

(3) سعيدة تومي، Al-Milal (July-December 2024)

(4) السيد ولد أباه، المفكر الموريتاني، موقع النهضة العربية للديمقراطية والتنمية، 24-11-2024

(5) فرانز فانون، معذبو الأرض، ترجمة: سامي الدروبي وجمال إتاسي، مدارات للأبحاث والنشر

(6) المرجع السابق

(7) مؤمن الوزان، "صراع الأصوات السردية بين رواية جين آير وبحر سارغاسو الواسع"، مدونة قرطاس الأدب، 17-04-2021

(8) أمين فرزانفر ومالك علولة، الحريم الاستعماري، ترجمة: علي مصباح، موقع قنطرة، 2004

(9) أسماء جزائري، "استشراق شهرزاد والحريم الكولونيالي"، جريدة القبس الكويتية، 7 أكتوبر 2021

(10) سليم حبولة، جامعة المدية، "من الأدب المقارن إلى الدراسات ما بعد الكولونيالية"، ورقة بحثية منشورة على شبكة الإنترنت

Copyright © Maison d'édition El Amir 2022

Contacts:

+33 7 60 73 41 19

assoelamir@gmail.com

Address:

3 boulevard Charles Moretti 13014 . Marseille

Maison d'édition El Amir

Siret: 892 605 619 00014