بين عبث الوجود وسلطة اللاوعي: قراءة في مجموعة "نزهة" لمحمد حسن مرين
د.ابتسام سيد أحمد
10/20/20251 min read


بين عبث الوجود وسلطة اللاوعي:
قراءة في مجموعة "نزهة" لمحمد حسن مرين
د.ابتسام السيد
المقدمة:
في رحلة ماتعة عبر خمس وأربعين قصة، تتراءى لعين القارئ فضاءات التجريب المختلفة، عبر العوالم السردية المتشظية في المكان والزمان، وغير ذلك... يقول ألبير بورجلان: "إن البحث عن المعنى، هو الكشف عما يتشابه، والبحث عن قانون العلاقات هو اكتشاف الأشياء المتشابهة". ويقول ميشال فوكو: "إن المتكلم ليس الشخص، بل البنيات اللغوية، وهكذا فإن ثمة قبل كل وجود بشري، وكل فرد بشري معرفة، ونحن بصدد معاودة اكتشافها".
منذ أن كتب ألبير كامو كتابه "أسطورة سيزيف"، وأعلن أن "العبث هو مواجهة صمت العالم"، أصبح مفهوم عبثية الوجود مفتاحا لفهم كثير من التجارب السردية التي تحاول تصوير هشاشة الإنسان أمام فراغ الحياة. وفي الأدب العربي المعاصر نجد محاولات جادة لتجسيد هذا العبث، ليس كموضوع فلسفي مجرد، بل بوصفه خبرة معاشة تترجمها الحكايات والتجارب اليومية. وهنا تنكشف جدلية الكتابة بين الذاتي والكوني، حيث ينعكس العبث في وجوه الإنسان البسيط، كما في المصائر الغريبة لشخصيات مرتبكة.
إن "نزهة" محمد حسن مرين تمثل نموذجا سرديا يلتقي فيه الفلسفي باليومي، الواقعي بالعجائبي والغرائبي، حيث يتجلى عبث الوجود في قصص قصيرة مكثفة، تتكئ على تشظي السرد، أي تفكك الحكاية إلى لحظات ومقاطع ومشاهد وصور، تضع القارئ أمام نصوص أقرب إلى المرايا المتكسرة التي تعكس عبثية المصير الإنساني. وإذا كان التشظي السردي هو الوجه الجمالي لهذا العبث، فإن سلطة اللاوعي هي المحرك الداخلي له، حيث تتسرب الرغبات المكبوتة، والهواجس الغريزية، والرموز الحلمية إلى جسد النصوص، فتجعلها مفتوحة على قراءات نفسية وعرفانية وفلسفية.
من هنا تأتي هذه الدراسة لتقرأ "نزهة" في ضوء ثلاثية متكاملة:
1- عبثية الوجود بما تحمله من أسئلة وجودية كبرى.
2- تشظي السرد بوصفه تقنية جمالية توازي هذا العبث.
3- سلطة اللاوعي باعتبارها البنية العميقة التي تدفع الشخصيات إلى مواقفها الغريبة.
أولا: "نزهة" العنوان: من الفسحة إلى المغامرة الوجودية
لم يختر محمد حسن مرين عنوان مجموعته "نزهة" اعتباطا، بل جعله مظلة رمزية تستوعب تعدد التجارب السردية التي تحتويها القصص، بحيث يتحول القارئ عبرها إلى شريك متفاعل في رحلة متشعبة بين عوالم متباينة: الواقعي واليومي، العجائبي والغرائبي، الاجتماعي والسياسي، الميتافيزيقي والفكاهي.
إن العلاقة بين العتبة الأولى —وهي العنوان المركزي "نزهة"— والعناوين الجزئية للنصوص تكشف عن بنية دلالية متشابكة؛ إذ تتجلى النزهة أولا كرحلة في الوجود، من خلال قصص مثل: "رجل الحائط"، "فج الجن"، "انشطار"، "القاتل"، "غريب الأطوار"، "شجرة الشيخ"، "المدينة الصغيرة"، "كوكب للنساء"، "الحدود"، "زورق العودة"، "الغابة"، "المدعو كوفيد وزوجته كورونا". ففي هذه النصوص ينغرس القارئ في مواجهة غرابة الواقع وعجائبيته، لتتحول النزهة إلى مغامرة وجودية في مواجهة المجهول، حيث تتفكك صورة الإنسان ويتبدد المعنى ليحل محله الصمت، وهو ما يرسخ حضور العبث كخلفية فلسفية دائمة.
وتنعكس النزهة، في مستوى ثان، ببعدها التأملي داخل تفاصيل الحياة اليومية في قصص مثل: "مشكلات الكلام"، "الفتاتان"، "لقاء"، "عطر الجميلة"، "بيت السطح"، "مواساة المرحوم"، "المرأة"، "سقف البيت"، "المفتاح"، "اليد الدافئة". وهنا تتحول النزهة إلى فسحة إنسانية تكشف هشاشة العلاقات وقلق الذات وحاجتها إلى الآخر، حيث يتداخل العاطفي بالوجودي، ويغدو المشهد البسيط كاشفا عن انكسارات عميقة في النفس البشرية.
وفي مستوى ثالث، تنفتح النزهة على الواقع الاجتماعي والسياسي عبر قصص مثل: "الجراد"، "الحراق"، "الكوكب السري"، "مزرعة الحيوان"، "وسطاء"، "المدمن"، "الموقع الرقمي"، "مسروقات ثمينة"، حيث ترصد النصوص التحولات والاضطرابات، وتفضح الفساد والاستغلال في الحياة الجماعية. كما تستعيد بعض النصوص البعد الأسطوري والخيالي في "الآنسة شهرزاد"، "صاحب الكهف"، "الفارس الجديد"، "كوكب للنساء"، "المدينة الصغيرة"، لتجعل من النزهة تجوالا في فضاءات الحكاية الشعبية والفانتازيا، حيث يتماهى العبث مع التراث، ويتحول اللعب السردي إلى إعادة بناء للأسطورة.
وأخيرا، تنعكس النزهة بوصفها تجربة شخصية وجودية في نصوص مثل: "قصة ضائعة"، "فرصة أخرى"، "مريامة"، "القصة الأولى". حيث تتحول الرحلة إلى بحث عن المعنى والذاكرة والهوية، ليجد القارئ نفسه أمام مرآة مفتوحة على سؤال: ماذا يبقى من الذات بعد أن تتشظى الحكاية ويذوب السياق؟ وهكذا يغدو العنوان المركزي "نزهة" خيطا ناظما يوحد بين هذه المحطات السردية المتناثرة، ليشكل رحلة متعددة الأبعاد يتنقل القارئ عبرها بين الواقع والخيال، بين الفردي والجماعي، وبين العادي والعجيب. وبذلك فإن النزهة ليست مجرد فسحة أو استراحة، بل مغامرة سردية عميقة داخل عالم مفعم بالمفارقات والتوترات.
ثانيا: العناوين الفرعية ومدى تعالقها بفكرة العبثية:
1- "رجل الحائط":
تتعلق العبثية بماهية وكينونة الإنسان المفقودة، والخروج عن دائرة المعقول في الأدب والفن إلى مجالات جديدة، لا تتقيد بالحدود المعقولة والموازين المعروفة. فالكاتب لا يعمل على حل المعضلات التي تقهره والمشاكل التي تواجهه وتسلبه قراره، إذ إن القدر هو من يتحكم فيه. وبالرغم من ذلك فهو يسعى ويحاول فرض بعض التصورات التي يريدها، حتى لو كانت منافية للواقع والحقيقة، مما يخلق نوعا من الاضطراب لديه.
تتجلى عبثية القصة في "رجل الحائط"، ذلك الرجل (البطل) الذي يبحث عن كينونته ولا يجدها، والذي كانت عادته أن يجلس كل يوم في منزله، في ركنه المحدد في الشارع الرئيس الذي يخترق الحي، تحت لافتة الشارع الرسمية، يضع خده على إحدى راحتي يده، يطوي إحدى رجليه، تغشاه حالة من الاكتئاب التي انسدلت على المكان حوله، فتثير مسحة من الرتابة وغبار الشارع.
فالبطل يعيش حالة من الرتابة، صورها الكاتب في مشهد درامي، مؤكدا عبثية الوجود، حيث يصبح الإنسان مجرد عنصر غير فعال في الزمن والمكان، بلا هدف أو قيمة واضحة. فالروتين اليومي يجسد طقسا بلا معنى، مؤكدا فكرة الفراغ الوجودي.
ومما يزيد قيمة هذه القصة وارتباطها بالعبث هو انسدال الشعور الإنساني على الأمكنة والأزمنة، فالفضاء يتخلق بالسياق النفسي الذي يعيشه الإنسان، وهنا يتحول المكان من فضاء جغرافي محدد بالمسافات إلى كائن ينولد من رحم النفس البشرية المأزومة، فيتفاعل معها ويشارك مآسيها، فيبدو صورة معتمة توازي صورة الإنسان.
بالرغم من تصدير الكاتب لبعض قصصه بالعبثية، فإنه يكسر أفق توقعنا لتلك الشخصية المأزومة، بتصادم العبثية مع الوعي. فالتفكير العميق ليس بداية منظمة للتغيير، بل اندفاع داخلي مفاجئ، يخرج الشخصية من الجمود الرمزي إلى حركة وجودية. العبث هنا لا يختفي، لكنه يشتبك مع لحظة وعي مؤقتة، تكشف عن التناقض بين الروتين القاتل للرجل وبين إمكانياته الداخلية للبحث عن معنى، إذ يصف السارد الشخصية: "ولم يكن التفكير عادة من عاداته. كما لو أنه ولد برأس أجوف. لأول مرة وجد نفسه يفكر تفكيرا عميقا... ثم قرر ألا يعود للجلوس كالتمثال تحت ذاك الجدار القديم".
في هذا المشهد، يظهر الكاتب العبثية من خلال الجمود والرتابة اليومية، وكيف أن المكان يعكس الصراع الداخلي للبطل، إذ يصبح الفضاء امتدادا للاضطراب النفسي، والتفكير المفاجئ للبطل يكسر الجمود، لكنه لا يمحو حالة العبث، بل يعيد إنتاجها في لحظة وعي متقطعة، تؤكد الصراع بين الحرية والقدر.
2- "فج الجن": اندماج العجائبي والغرائبي بالرغبة الداخلية عبر سلطة اللاوعي:
الحكاية على لسان الجن تذكرنا بقصة سليمان عليه السلام عندما خاطبه الجن في قوله: "قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقوي أمين".
وتذكرنا أيضا بالبيت الذي صرح فيه الجن بمكان حرب بن أمية وهو:
وقبر حرب بمكان قفر وليس قرب قبر حرب قبر
الحكاية إذن على لسان الجن لها باع طويل، وهنا تندرج ضمن فضاء المجموعة القصصية "نزهة" التي تجمع بين الواقعي والعجائبي، وبين اليومي والميتافيزيقي. فالقصة عبر سطحها الخارجي حكاية عن مخلوق جني (زرزور) يعيش على تخوم عالم البشر في فج جبلي، لكنها في باطنها تأمل فلسفي في الوجود، والهوية، وفي رغبة الكائن في عبور حدوده الوجودية. النص هنا يمزج بين عبثية الوجود والتشظي السردي، حيث تتقاطع الأزمنة والطبقات النفسية، ويصبح اللاوعي قوة دافعة لرغبات البطل.
فعلى سبيل المثال، تكمن عبثية الوجود في رغبة بطل الحكاية الجني (زرزور) في الانتماء إلى عالم الإنس، رغم معرفته بضعفه وحدوده المادية. يعيش (زرزور) حالة من الاغتراب بين جنسين (الجن والإنس)، وهو لا يجد ذاته في أي منهما، فيستشعر عبثية وجوده ككائن "بين بين". تقول الحكاية: "يتمنى (زرزور) أن يكون إنسيا، ينتابه هذا الشعور أحيانا، وقد تحول إلى حالة عشق لهذا المخلوق خلف الحجاب الشفاف" (ص12).
ويؤكد هذا الحديث على لسان (زرزور) التأرجح بين عالمين متناقضين، يتمنى أحدهما أن يكون مكان الآخر. فالجن رغم امتلاكه لقدرة خارقة، يرى أن العيش في العالم الآخر (الإنس) يحقق له نوعا من الإشباع والتحقق.
وفي مشهد درامي قصير، يتداخل السرد الطفولي مع السرد الراهن (سرد الراوي بعد أن كبر). هذا التشابك والتقاطع في الأزمنة والطبقات السردية يعكس تشظي السرد، ويجعل النص نافذة على الماضي والحاضر معا، ما يعكس حالة الاغتراب الوجودي.
وتعلو الرغبة المكبوتة، وهي الانفلات من عالم الجن إلى الإنس، في: "وما زلت أمارس هوايتي في مراقبة بني البشر، ومراقبة تلك الابتسامات التي تزرع الفراشات الملونة في السماء، ومن أجل التقاطها تعلمت السباحة في الفضاء، والقفز لمسافات بعيدة. يسخر مني أقراني، تخاف علي أمي، وترقبني مخافة لمس البشر وأذيتهم. ومع ذلك فإنني ورثت عشق التفرج على البشر، وعشق جمع الابتسامات البشرية الملونة".
توضح القصة أن سعي البطل لعبور حدوده، ورغبته في عالم آخر، يعكس صراع الإنسان بين الواقع والخيال، وبين الحرية والقيود، وأن اللاوعي يمكن أن يكون محركا مركزيا للبحث عن المعنى والوجود في عالم عبثي.
3- "مشكلات الكلام": سيطرة اللاوعي عبر الملفوظ من الكلام:
ليس كل ما ننطقه ينبع من إرادتنا الواعية، وليس كل ما نراه في منامنا ينطلق من لا وعينا. فأحيانا يكون عين الوعي في حقيقة اللاوعي.
يرى فرويد أن جميع الظواهر النفسية، سواء كانت شعورية أو لا شعورية، وسواء كانت سوية أو مرضية، إنما تصدر عن قوى دينامية أساسية تنبعث عن التركيب الفسيولوجي والكيميائي للكائن الحي.
تبدأ القصة بمشهد استباقي، يسرد فيه البطل ما أصابه من مرض نفسي، فتبدو تلك اللحظة آنية، وكأننا نلتحم معها وقت قراءتنا، ثم يرجع بنا عبر اللاوعي إلى سرد تفاصيل الحكاية، عبر المشهد الثاني وهو مشهد المصلين، وهو مشهد الرجل المصاب بداء عضال، إذ يتخطى المصلين، ويقطع الخطيب، ويأمره بإنهاء خطبته. تقول الحكاية: "في أحد المرات زارتني نوبتي العصبية... أتذكر أنني قمت ناتئا بين المصلين في المسجد. كان الإمام واقفا، يقرأ خطبته من على المنبر والمصلون غارقين في صمتهم، فصحت ملوحا في اتجاه الإمام، وقد تطاولت فجأة أعناق الحاضرين نحوي واستثار بعضهم من غفوته: أطلقنا يرحمك الله، هذه الخطبة معادة، الناس وراءها مصالح" (ص15).
فالسارد يقفز من الاعتزال إلى مشهد المسجد دون تمهيد، في كسر للترتيب الزمني التقليدي. هذا التشظي السردي يعكس "انفلات" الشخصية نفسها، ويضع القارئ في دوامة الاضطراب التي يعيشها البطل. ويصبح الحديث فعلا قهريا بلا قصد، عبر سيطرة القوة الغامضة (الإنسان).
في قصة "مشكلات الكلام"، يعالج محمد حسن مرين التوتر القائم بين الفرد والمجتمع، بين الوعي واللاوعي، من خلال شخصية مأزومة، أو قد تبدو هامشية، تعاني انفلات لسانها وسيطرة الكلام غير الإرادي عليها. فالقصة تبدو للوهلة الأولى اعترافا ذاتيا، لكنها في العمق تفكك البنية الوجودية للإنسان في علاقته بالعالم والآخرين. هي نص يعكس عبثية الوجود في أغلب صورها: الفرد محكوم بآلية قهرية (لسانه)، تتشظى تجربته اليومية بين الفضيحة والعزلة، ويغرق في لاوعيه، إذ لا يستطيع ضبط ذاته.
ويبدو التشظي حيلة سردية يتخذها الكاتب، فبعد مشهد المصلين، يحدث انتقال مفاجئ إلى موقف سياسي يوسع أفق القصة من الخاص (اللسان والعائلة) إلى العام (الفضاء السياسي)، مما يضاعف من تفرق التجربة السردية ويجعلها نزهة داخل مواقف غير مترابطة ظاهريا، لكنها تتحد في معاناة الشخصية.
تقول الحكاية على لسان البطل المريض: "هذا غير صحيح، لماذا تكذبون على الشعب؟"
فاللاوعي في القصة ليس مجرد خلفية، بل هو قوة دافعة تسوق الشخصية إلى الفضيحة والفعل غير المحسوب، ويتجلى ذلك في مشهد مغازلته لزوجة صديقه: "وأنا أقف مبهورا أمام جمال زوجة صديقي حين قدمني إليها بلطف، فرحت أغازل سمتها، من أخمص قدميها إلى هلالي حاجبيها، غزلا غير عفيف" (ص16).
4- "الفتاتان":
الفتاتان في تلك القصة فتاة واحدة، وكأننا أمام سرد يكشف لعبة الأنوات، فهي تضمر رؤية فلسفية للجمال، مأخوذة من لوحة الفنان "بيكاسو": "فتاة أمام المرآة".
فالحوار بين الفتاة وصورتها، إذ تنشطر الذات عن حقيقتها، فتبدو للوهلة الأولى لمرأى القارئ أنهما اثنتان. تقول الحكاية: "هكذا همست إحدى الفتاتين، بينما الأخرى تلامس نهديها وتشد على خصرها، مزهوة بمدح صديقتها، ويثبت المشهد في حوار جمالي بين الفتاتين والمرآة، فيما تنساب الألوان المكعبة حولهما، ويظهر الجدار خلفهما بمربعات خزفية مزخرفة" (ص21).
فالمرآة أيقونة استخدمها الكاتب لتكشف عن زيف الحقيقة، وتعيد بناءها، عبر التماهي مع الأنا المنشطرة. فالمرآة هنا ليست انعكاسا للذات وتشييئا لها، بل تكوينا للذات وتشييئا لها. أي إدراك أن الأنا يمكن أن تكون موضوعا آخر، يتمثل في (تأسيس الهوية وصراع الذات مع صورتها). فهي إذن رمز وجودي وجمالي يكشف عن جدلية العلاقة بين الحقيقة والوهم، الذات والآخر، الداخل والخارج.
5- "مواساة المرحوم":
تمثل قصة "مواساة المرحوم" نموذجا سرديا مشبعا بالرمزية والغرائبية، تقوم على تكثيف دلالي يعكس خيطا وجوديا عميقا، يتقاطع النص مع ثلاثة مستويات: العبث الذي يفكك المعنى المألوف، وتشظي السرد الذي يوقف اندماج القارئ مع الحكاية، ويجعلها شظايا متباعدة، واللاوعي الذي يكشف الصراعات النفسية المكبوتة في الذات الأنثوية الساردة.
تمتلئ تلك القصة بروح مشبعة بروح العبث من البداية للنهاية، حيث تنقلب العلاقات الإنسانية والمشاعر رأسا على عقب.
المشهد الأول: "رأت فمه مملوءا بكلمات الحب، ولكنها اندهشت عندما ولجت إلى قلبه فوجدته فارغا، وحينما خرجت منه... مات رحمه الله" (ص55).
فالزوج، الذي يفترض أنه الفاعل في نطاق الأسرة والمفعم بالحب، يتحول إلى فراغ داخلي. موته لا يأتي نتيجة مرض أو قدر طبيعي، بل يحدث بمجرد خروجها من قلبه. تلك المفارقة العبثية تكسر منطق الحياة.
ويتكرر العبث في المشهد الثاني على لسان الزوجة: "أعلنت جنازته، وحضر المعزون، وعندما سألوها عن جثمانه قالت لهم: إنه في مقبرته الثانية" (ص55).
يستخدم الكاتب هنا أيقونة جديدة هي "المقبرة الثانية"، إذ يحيل إلى لعبة رمزية تجعل القارئ أمام مفارقة لا تحتمل: فالجنازة تقام بلا جثمان، والموت يعلن بلا وفاة فعلية.
وفي المشهد الأخير يبلغ العبث ذروته: "وعندما رأته، قالت له أمام ذهول صديقه الذي سألها: أليس هذا زوجك السابق؟ قالت بإصرار: سبحان الله، يخلق من الشبه أربعين".
فإنكارها له وهو حي، والإصرار على نسبه إلى شبيه، يكشف عن منطق عبثي يعكس انقطاع الصلة بين الحقيقة والواقع. والمشهد يفصح عما بداخل الزوجة، فهي تعلن موته لها؛ لأنه في وعيها الباطن "ميت" من الداخل.
6- "قصة ضائعة":
هذه القصة القصيرة جدا "قصة ضائعة" تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تنطوي على أبعاد وجودية وسردية عميقة، ويمكن تحليلها من ثلاث زوايا: العبث، وتشظي السرد، واللاوعي.
فالعبث وضياع المعنى يظهر في عبثية الوجود من خلال ضياع النص/الفكرة، كما يضيع المعنى في حياة الإنسان.
يقول القاص: "كتب إحدى قصصه على قصاصة ورق، ولكنه نسيها في مكان ما؛ ففعل الكتابة الإبداعي، الذي يمنح المعنى خلودا، ينقلب إلى العدم بفعل النسيان".
ثم يتضاعف السرد في قوله: "ربما ضاعت مع أشياء مهملة أو ربما وقعت في يد قارئ مفترض". فالاحتمالية هنا تعكس هشاشة المصير وعبثية التوقع، فيغيب مصير القصة كما يغيب عنا مصيرنا في الحياة.
فالسرد هنا ليس تتابعا للحكاية، بل انكسار لها، حيث يصبح المفقود أهم من الموجود، والغياب أكثر حضورا من الحضور.
7- "الموقع الرقمي":
تكشف تلك القصة قلق الإنسان المعاصر في مواجهة سلطة التكنولوجيا والافتراض، فيتحول ذلك المشروع الصغير (تصميم الموقع) إلى وحش يستلب الذات ويغتربه.
يقوم النص على مفارقة وجودية عميقة؛ موقع بسيط ينشأ بدافع التغيير، يتحول تدريجيا إلى قوة تبتلع صاحبه وتخرجه من ذاته.
يقول القاص: "فتح موقعا رقميا، كان يعتقد أنه مجرد موقع رقمي يشارك فيه برأيه وخواطره، مع الأيام أصبح للموقع كثير من المتابعين والمتفاعلين. لم يصدق نفسه، كيف أصبح موقعه يثير كل هذا الاهتمام والشغف؟" (ص111).
البداية مثيرة حيث تحقق الربح، ولكن الانغماس في عالم الرقمنة بشكل متزايد ينقلب حتما إلى فوبيا، تعذب صاحبها.
وينكشف ذلك في المقطع الأخير: "وعندما عاد إلى بيته وجد أن موقعه أصبح يسكنه كثير من الجنيات، ووجد إشهارا عجيبا: صورة ديناصور يحمل مشروبا يمنحه لطفل يبتسم في وجهه". هذا الانتقال المفاجئ إلى الغرائبي والعجائبي يجسد انكسار الخطية التقليدية لصالح سرد مفتوح على الانزياحات.
فالقصة رغم اقتضابها، فإنها تنبي وفق محطات متباعدة:
"البداية: تأسيس الموقع
الوسط: تزايد المتابعين
الذروة: اللقاء برجال النفوذ
النهاية: كابوس الجنيات والديناصور".
هذا البناء المفكك يعكس تشظي السرد، فلا توجد علاقة سببية منطقية، بل انتقالات جادة ومفاجئة، تحاكي منطق العالم الافتراضي القائم على السرعة والانقطاع.
فالموقع الرقمي ليس قصة عن الإنترنت فقط، بل رحلة وجودية عبثية، تعبر عن قلق الإنسان الحديث في مواجهة سلطات محتجبة تستلب وجوده وتحول مسارات حياته، حيث يتحول الحلم الفردي إلى كابوس جماعي، ويتحول الإنجاز إلى جحيم، في سرد يتأسس على تشظي البنية وانعكاس الخطية.
وفي الختام، تجمع القصص التي استعرضناها بين العبثية الوجودية، تشظي السرد، وسلطة اللاوعي، لتبرز كيف يعيش الإنسان حالة من الانفلات بين ذاته والآخر، بين الواقع والخيال، وبين الروتين والتمرد الداخلي. إن هذه النصوص تكشف عن قدرة الأدب على توثيق القلق الإنساني المعاصر، وتحول التجربة اليومية البسيطة إلى فضاء وجودي مفتوح على التساؤلات الكبرى عن الهوية، الحرية، والموت. وبذلك، يتحول النص الأدبي إلى مرآة للوجود، تكشف هشاشة الحياة، متاهاتها، وفرص الإنسان في البحث عن معنى وسط عالم عبثي لا يقهره إلا وعيه المؤقت وإبداعه المتواصل.
