الذات الأنثوية بين التصدع والتشكل في رواية "أرض آمنة"

دراسة سوسيونفسية

د. ابتسام سيد أحمد

6/20/20251 min read

الذات الأنثوية بين التصدع والتشكل في رواية "أرض آمنة"

دراسة سوسيونفسية

د. ابتسام سيد أحمد

تتدلى الذات الأنثوية في ثوب مختلف عما اعتيد النظر إليها، تلك الذات التي تفلتت من زيها الجسدي، إلى كائن آخر يجسد الهوية العربية، التي ظلت طيلة من الزمن منكفئة تحت سطوة الآخر-المستبد- مما أودى بها إلى الهلاك.

من هنا تأتي المفارقة؛ فرسمت لنا مريم بلعاليا شخصية البطل الأنثوي المتمثل في لارا ابنة السيد عمر -عمدة بلدة العز- تزييفا، بينما هي في الحقيقة تنسب إلى السيد جمال. وما فعله الوالد المزيف كان طمعا وجشعا في الاستيلاء على الإرث كاملا.

وقد أوصى-السيد عمر- ابنته المزيفة -لارا- عبر التشكل الميتاسردي باستخدام تقنية "المذكرات" عن ذلك السر المدفون: "بيدين مرتعشتين، جلست على المقعد الجلدي القديم وفتحت الدرج الذي كان موصدا دوما، قلبها يخفق بشدة وهي تعثر على رسالة بخط والدها المميز. فتحت المظروف... وبدأت تقرأ: ابنتي العزيزة لارا. في يوم من الأيام، قررنا أنا وجمال السفر مع زوجتينا إلى بلدة العز بحثا عن فرص أفضل. عملنا في مزرعة رجل عجوز ثري وبدأنا نرى ثمار جهدنا. كان الأمل يملأ قلوبنا بإمكانية تجاوز الصعاب. أعجب العجوز بإخلاصنا في العمل فقرر أن يجعلنا وريثين له لأنه كان وحيدا، علمت بذلك قبل جمال وبدافع الطمع الأعمى، زورت الوصية لأستحوذ على كل شيء بعد وفاة العجوز..." ويتوالى الحكي على لسان السيد عمر في مذكراته، قائلا: "أنت ابنة جمال الحقيقية. امنحي نفسك ما لم أمنحه لك: فرصة العيش مع والدك الحقيقي. اجعليه عائلتك الجديدة، وأحبيه أكثر مما أحببتني. أرجعي له حقه المسلوب من مالي وممتلكاتي".

من تلك النهاية المحتومة في الرواية آثرت الابتداء، حيث وضعت مريم بلعاليا الذات الأنثوية في برواز مغاير لما استقرت عليه في أذهان الكثيرين، كونها وسيلة للمتع الحسية والوصول لأقصى درجات النشوة، وصولا بها إلى مرتبة الفكرة المتعالية، والكينونة، والهوية، والوطن.

منذ البداية تدلي تلك الأنثى أكلها، من العنوان والإهداء والعناوين الفرعية، فالعنوان الرئيس "أرض آمنة" يشي بشيء مفقود يراد استرجاعه أو تحقيقه. أما الغلاف فيؤدي في الأعمال السردية وظيفة تتجاوز البعد الجمالي إلى بعد دلالي تواصلي، إذ يعتبر بوابة رمزية لتأويل العالم النصي، وفي تلك الرواية تتقاطع الصورة، واللون، والعنوان، والعلامات البصرية الأخرى لتنتج خطابا بصريا محملا بالإيحاءات، فنجد الكرة الأرضية المنبثقة من كتاب مفتوح، وقد كساها اللون الأزرق، الذي يصاحب السكينة والاتساع والطمأنينة. هذا إن دل فإنه يدل على ثنائية المعرفة (الكتاب) والعالم (الكرة الأرضية)، تلك الثنائية التي تؤكد أن فكرة الأرض الآمنة لن توجد إلا عبر الكتابة، أو عبر فعل القراءة ذاته، وهذا يحيل إلى فاعلية الأدب كملجأ رمزي في زمن القلق والحرب.

والذات الأنثوية المتمثلة في شخصية "نورة" -بعد هجرتها إلى بلد العوز والأمان- هي المعادل الحقيقي لتلك الأرض؛ لأنها استطاعت عبر تموجاتها بين الأنا الواعية والآخر الجمعي المكبل بقيود الاستبداد والخراب أن تتخلص من مكنوناتها، وتذهب إلى بر الأمان عبر عنونة الفصل الخامس عشر وهو "سنتحد معا".

من الذات الفردية إلى الوعي الجمعي:

تتجلى رحلة تشكل الوعي والتوترات الداخلية داخل نفسية "لارا" في الفصول الأولى الموسومة بـ"أريدها بشدة" و"لم أكترث يوما" و"أمواج عالية" و"من أكون"، إذ يبدأ تشكل الأنا العليا المتجسدة في تلك الشخصية، فتبحث عن ذاتها بل هويتها الجمعية الكائنة داخل النفس البشرية عامة والتي عبر عنها فرويد بـ"الهو". وعبر امتزاج الوعي الجمعي "الهو" والذاتي المتمثل في "اللاوعي" تظهر تلك الأنا الممثلة للإنسانية عامة -استقرارها وتمزقها الداخلي والآخر المستبد- في ثوبها المقنع برداء الطبيبة التي تؤثر الإنسانية -الفقر والحرمان- على نفسها. ومن هنا تنبع المفارقة، فالشخصية تنتمي إلى الآخر المستبد والمالك لكل سبل الغنى، وبالرغم من ذلك لا تجد مأمنها إلا وسط الفقراء والمقهورين، فتهرب تاركة بدن الغنى، ويعمد السارد أن يفقدها ذاكرتها لتجد نفسها فجأة في المدينة الآمنة باسم جديد ينسيها ماضيها، فتتحول عبر اقتراح العمة تينا إلى نورة ليأتي النصر على يديها.

العمة تينا بوصفها رمزا للأنثى الحكيمة/الرحمية:

تظهر شخصية العمة تينا بوصفها كائنا معماريا يحمل ميزات الأم الكبرى أو الكاهنة، وقد وضعتها مريم بلعاليا جسرا وسيطا بين العالم الظاهر والمخفي، إذ تفتح لارا (نورة) باب الولادة الجديدة عبر طقس التسمية. وهذا ما يعطيها دلالة مزدوجة: دلالة ميتافيزيقية (المرشدة الروحية) واجتماعية (حاضنة الهوية البديلة). ويتشكل الخطاب على لسان السارد: "فجأة، انفتح الباب بصرير خافت، وظهرت امرأة عجوز سوداء البشرة تعرفها البلدة باسم "العمة تينا" كان وجهها يشع بنور غريب كأنه يحمل حكمة الأجيال، وابتسامتها تحمل دفء الشمس"، وينتقل السرد على لسان العمة قائلة: "أهلا بعودتك إلى عالم النور، يا صغيرتي"، همست العمة تينا بصوت يشبه خرير الجداول. "كيف حال روحك اليوم"".

دلالة التحول في الاسم الجديد "نورة":

الاسم هنا ليس بديلا تعويضيا؛ بل إعادة ترميز للوجود، يربط الكينونة بالضوء والفجر، مقابل ظلمة الغيبوبة. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه "الخلاص"، حيث تنتقل الشخصية من الذوبان إلى التماهي مع كيان جديد.

ثم تنتقل الرواية من خطاب الذات إلى خطاب الأمة في مشهد ملتبس بين الصراع العاطفي "نيران الغيرة" والصراع الوجودي "إنها الحرب"، وندلل على ذلك بمشهد من المشاهد الواقعية على لسان السيد عمر:

"لن أسمح لحفنة من الفقراء بتحدي نفوذي! لقد تجاوزت طموحاتهم كل الحدود. يحلمون بمنافسة مدينتنا العريقة؟ هذا لن يكون أبدا، في تلك اللحظة المشحونة، انفتح الباب بهدوء. دخلت لورا بخطوات رشيقة، تحمل صينية الشاي الفضية. كانت تتحرك بين الحاضرين كنسمة ربيع في يوم عاصف. لكن عيناها خانتا هدوءها حين التقت بنظرات ذلك الوجه الجديد -الشاب الوسيم الذي يقف بثقة بجوار المستشار الأول، وضعت الصينية على الطاولة بيدين مرتعشتين، محاولة تجاهل نظرات ستيف المتتابعة التي أشعلت في قلبها مشاعر لم تعرفها من قبل. كان الفارق الاجتماعي بينهما كهوة عميقة لكن قلبيهما تحدثا بلغة لا تعترف بالطبقات". تلك كانت وما زالت القضية التي استطاعت الرواية في نمط درامي أن تعطي حلا لها في الفصل الأخير "سنتحد معا".

وقد تحقق لم الشمل بفعل الأنثى الصارمة نورة -هي لارا بعد ذهابها إلى بلدة العوز- التي استطاعت أن توحد شمل البلدين عبر زواجها من زميلها الطبيب السيد أمان، ففي ذات الوقت تصالحت البلدتان إذ اكتمل أيضا زواج ستيف- نجل كبير مستشاري البلدة- من لورا -خادمة عائلة السيد عمر. وبهذا الفعل تحققت الوحدة وأزيلت الطبقية، بل ظهرت الإنسانية بفطرتها النقية.

وزواج لورا لا يطرح كهدف شخصي، بل يقدم كفعل اجتماعي، وسياسي، حيث يصبح "الزفاف" رمزا لوحدة شعبين. وبهذا، فإن لورا تخرج من كونها "عروسا" إلى كونها رمزا للسلام والوحدة، بل الانصهار الثقافي، وتعيد بلورة الذات الإنسانية -بمفهومها الأوسع- ضمن أفق رمزي أكبر.

ختاما، تعد رواية "أرض آمنة" نموذجا سرديا رمزيا لتصور الذات الأنثوية بوصفها عنصرا فاعلا موازيا لتلك الأرض الآمنة، ومن خلال شخصيتين تكملان بعضهما -لارا ولورا- تتموضع المرأة كنواة للتغيير، لا على مستوى العلاقات الفردية، بل على مستوى البنية الرمزية للجماعة. وبهذا يرتقي النص إلى خطاب أدبي يستلهم قيم التغيير عبر الأنوثة، لا من خارجها.

ورغم القيمة الرمزية والجمالية للنص، يمكن التقاط بعض النقاط التي قد تثريه في حال إعادة التوسيع، وهي:

1- الاقتصاد الزائد في الفلاش باك، إذ لم تعط الكاتبة إشارات كافية عن الماضي، أو عن كيفية فقدان الذاكرة؛ مما يجعل الارتباط الحسي بالشخصية أقل تأثيرا.

2- الاعتماد على الرموز دون تعميق درامي؛ مثل البحر والعمة تينا.

3- الحوار القصير وغير المعقد، فالحوار جاء سلسا ولكن بسيطا إلى حد ما، وكان يمكن استثماره لتعميق التوترات أو الدلالات النفسية للبطلة.

Copyright © Maison d'édition El Amir 2022

Contacts:

+33 7 60 73 41 19

assoelamir@gmail.com

Address:

3 boulevard Charles Moretti 13014 . Marseille

Maison d'édition El Amir

Siret: 892 605 619 00014